Opera News

Opera News App

عصور التيه: حتى لا تغرق سفينة نوح

Alielzanaty95
By Alielzanaty95 | self meida writer
Published 26 days ago - 23 views

"لقد دَفعنا الإعلام نحو مطاردة السيارات والملابس الفاخرة، أُرغِمنا على العمل فى وظائف نكرهها لنتمكن من شراء هراء لا نحتاجه، ها نحن ذا نقف فى منتصف التاريخ بلا هدف او مكان نلجأ إليه، لم نخُض حروباً ضروس ولم نعاني من إكتئابٍ قاتلٍ، ذلك لأن حربنا نفسية واكتئابنا هو حياتنا، جلسنا أمام التلفاز طوال حياتنا لنؤمن بأننا سنصير يوماً أغنياء او آلِهة سينما وغناء، لكننا لن نكون كذلك يوماً، بدأنا فى اكتشاف تلك الحقيقة شيئاً فشيئاً، حقيقة أنه تم خداعنا، ونحن الآن في غاية الغضب"

- تايلر ديردن من فيلم نادى القتال لديفيد فينشر


قبل ما يقرُب من الخمسة آلاف عام قبل الميلاد يُحكى أن طوفاناً ضرب بقاع الأرض التى طغى سكانها فأهلكهم إلا أولئك الذين احتموا بسفينة نوح، اختلفت الروايات عن مدة الطوفان ما بين الرواية السومرية والبابلية وروايات الأديان السماوية، لكنه مما لا شك فيه فإنه كان لزاماً على أولئك الذين على السفينة العيش معاً دون خلاف ما استمر الطوفان وإلا لغرقت سفينتهم وكانوا من المغرقين.

قبل أعوام ربما احتاجت البشرية لطوفان عظيم لتدمير العالم كما عرفوه عن بكرة أبيه دون رجعة، لكن اليوم نحن نقوم بتلك المهمة بأنفسنا.

إعتاد البشر مشاهد العنف بشكل يومى فى بقاع الأرض المختلفة، أَلِف العالم مؤشرات غضب الطبيعة التى تتزايد وأمعن فى إهمالها دون اكتراث، أغرق القادرون البقية في عجزهم أكثر وأكثر، والأرض الآن في غاية الغضب.

قبل أعوام ليست بالبعيدة كان الفكر هو قضية العالم الأولى، خرجت الأفكار المختلفة وعُرضت على العالم ليختار كلٌ موقفه منها، أفكار تنظم مجتمعات العالم أجمع بمختلف جوانبها، التف البعض حول الاشتراكية والآخر حول الرأسمالية وغيرها من الأفكار، أكثر الافكار الاقتصادية النزعة كانت تنبع من منطلق فكرى يسعى إلى إصلاح المجتمع وتحقيق العدالة من وجهة نظر منشئ الفكرة، جمعت الفكرة معتنقيها ووحدتهم وشهدوا فيها نجاتهم تماما كمان كانت سفينة نوح نجاة راكبيها.

اليوم صار الاقتصاد هو القضية الأولى، أهمل العالم الفكر وجرده من أهدافه الحقيقة وصارت المادة هى الركيزة الوحيدة، إنتقلنا من عصور كان صانعى المحتوى فيها مفكرين وأدباء يتبارون نصرة لأفكارهم إلى صناع محتوى وسائل التواصل الإجتماعى، ذلك الإنحدار لم يكن لإنحدار الفكر ذاته قدر ما كان لإنحدار الهدف الذى أقتصر على تحقيق المادة دون غيرها فكان من الطبيعى حين انحدر الهدف ان تنحدر وسائل تحقيقه بالتبعية.

صرنا نعيش عصور التيه حيث تمرعجلة الأقتصاد فوق حياة البشر بدلاً من تحسينها، يُدفع الناس يومياً إلى الهرولة سعياً وراء المادة دون هدف حقيقى من وراء جمعها، صارت الحياة نفسها هى الهدف لا إستغلالها، صرنا جميعاً نرى يوميا مشاهد من حياة لن نحظى بها يوماً عبر وسائل التواصل الاجتماعى ونتسائل لماذا لا نملك جميعاً تلك الرفاهية التي يمتلكوها هم؟.

لم تعد الأفكار ذات جدوى بعد الآن، بَعُدَ عهد البشر بالأفكار الحالمة ولم تعد تجديهم نفعاً، لن يكترث أحد للاشتراكية او الرأسمالية أو غيرهما من الآن فصاعداً فلقد اثبت الجميع فشله وما زاد الوضع إلا سوءاً وانحداراً منذ عقود، تشتت الجميع وصارت الفكره مصدر تهديد وخطر لا بد من وأدها، فقدنا القدرة على التعامل مع الإختلاف وصرنا نحاربه خوفا منه فى ظل إحساس عام بعدم الأمان النابع من وضع إقتصادى غير مطمئن لأغلبية سكان العالم، والأخطر من كل ذلك أننا دهسنا الطبيعة فى الطريق.

لم تعد محاولات الحكومات المضنيه سعياً نحو توحيد الشعوب مرة أخرى خلف أفكار تجدى نفعاً، كفر الشعوب بأفكار القومية والوطنية وأغلب الافكار السياسية التى قد تنتهجها حكوماتهم فأصبح الشعب عدو حكومته والعكس، ينزح الناس حول العالم عن الأديان بمختلف عقائدها لإعتقادهم أنها احد اسباب التشتت والتيه.

لم تكن مشاهد حرائق غابات استراليا وغيرها من كوارث طبيعية والعنف الذى شهدته الشعوب فى فرنسا وامريكا ونيوزلندا والصين والشرق الأوسط مؤخراً سوى إنذار بطوفان جديد لكنه هذه المرة من صناعتنا نحن دون غيرنا، لم يعد أمامنا سوى إنتظار إنفجار طاقة الغضب التى تتزايد يوماً بعد يوم ما استمرت البشرية فى هرولتها نحو الهلاك.

فأين تكمن سفينة نوح هذه المرة؟؟

تكمن النجاة هذة المرة على غير العادة فى الاختلاف، أو ربما لمزيد من الدقة تكمن فى تقبل الاختلاف.

سننجو حقاً حين ندرك أن الاختلاف الفكرى ليس تهديداً بل هو إختبار حقيقى لمختلف أفكارنا ومدى جدواها، ننجو حقاً حين نؤمن أن أكثر الأفكار صموداً هى تلك التي إحتكت بغيرها وتطورت مع الوقت، ننجو حقاً حين ندرس التاريخ لنرى أن الحضارات عبر التاريخ إنتهت فقط حين جمدت مكانها ولم تعد قابلة للتطور متقبلة للإختلاف، ننجو حين نعى أن الحراك الفكرى ضرورة لإخراج أفكار حقيقية عميقة غير هشة تصمد مع مرور الوقت.

على عكس الأغلبية أرى فى فيروس كورونا منحة للعالم وليس النقيض، الفيروس بمثابة خط بداية جديد للجميع نبدأ فيه جميعا عصوراً جديدة غير عصر التيه بفرص متساوية أمام الجميع لتشكيل شكل هذه العصور، عصوراً نبنى فيها سفينتنا التى تحتوينا رغم إختلافنا، عصوراً ترى الفكر أولوية وليس تهديداً وترى الطبيعة والحفاظ عليها هدفاً واجباً وأن دمارها أكبر من أن يكون أثراً جانبياً للتضخم الاقتصادى.

وإلا كنا جميعاً من المغرقين.

علي الزناتي

Content created and supplied by: Alielzanaty95 (via Opera News )

Opera News is a free to use platform and the views and opinions expressed herein are solely those of the author and do not represent, reflect or express the views of Opera News. Any/all written content and images displayed are provided by the blogger/author, appear herein as submitted by the blogger/author and are unedited by Opera News. Opera News does not consent to nor does it condone the posting of any content that violates the rights (including the copyrights) of any third party, nor content that may malign, inter alia, any religion, ethnic group, organization, gender, company, or individual. Opera News furthermore does not condone the use of our platform for the purposes encouraging/endorsing hate speech, violation of human rights and/or utterances of a defamatory nature. If the content contained herein violates any of your rights, including those of copyright, and/or violates any the above mentioned factors, you are requested to immediately notify us using via the following email address operanews-external(at)opera.com and/or report the article using the available reporting functionality built into our Platform

قد يعجبك

موقف رائع.. تفاصيل ما فعله راعى كنيسة بالغردقة!

11 minutes ago

0 🔥

موقف رائع.. تفاصيل ما فعله راعى كنيسة بالغردقة!

"قصة".. سقط نعشه أثناء الذهاب لدفنه.. وعندما حدث هذا الأمر شاهد الجميع هذا الأمر الذي أسعدهم

2 hours ago

84 🔥

في هذه الدول يجب على الرجل "تعدد الزوجات" وإلا السجن مدى الحياة.. إحداها تتحمل الدولة الزواج الثاني

2 hours ago

313 🔥

في هذه الدول يجب على الرجل

خالد الغندور يستفز جماهير الأهلي من جديد..ومفاجأة حول بداياته في الملاعب..وما حدث له مع مجلس "مرتضي"

2 hours ago

185 🔥

خالد الغندور يستفز جماهير الأهلي من جديد..ومفاجأة حول بداياته في الملاعب..وما حدث له مع مجلس

طبق المسقعه بشكل مختلف

5 hours ago

29 🔥

طبق المسقعه بشكل مختلف

"خففوا الإعلانات في المسلسلات"..الأعلى للإعلام يحذر القنوات الفضائية ويؤكد على تدخله في هذه الحالة

5 hours ago

39 🔥

المكرونه بالثوم واللحم المفروم بالصلصه

6 hours ago

29 🔥

المكرونه بالثوم واللحم المفروم بالصلصه

"أردوغان على طريق صناعة سراج جديد" تركيا تسعى لإشعال المتوسط بفرض قوانينها للحرب لكسر عزلتها بليبيا

21 hours ago

910 🔥

(قصة) خلعت زوجها وطلبت الزواج من ابن أخيه وفي ليلة الزفاف حدث ما لم تتوقعه

1 days ago

1257 🔥

(قصة) خلعت زوجها وطلبت الزواج من ابن أخيه وفي ليلة الزفاف حدث ما لم تتوقعه

رسميًا.. مصر تُضيق الخناق على إثيوبيا بـ«تحرك جديد».. والسفير الفرنسي: مستعدون للقيام بهذا الامر

1 days ago

5169 🔥

رسميًا.. مصر تُضيق الخناق على إثيوبيا بـ«تحرك جديد».. والسفير الفرنسي: مستعدون للقيام بهذا الامر

تعليقات