Opera News

Opera News App

أرض البرديس.. بقلم: نسرين خليل

Nisreenekhalil
By Nisreenekhalil | self meida writer
Published 15 days ago - 0 views

  

المشهد بأكمله يبدو قاتمًا، لا مفر من القول بأن الحلول تكاد تكون منعدمة، المكان أشبه بغابة، مجموعة من الرجال والنساء يتقدمون فى الضباب، يكتنفهم الصمت فلا ينبسوا ببنت شفة، يتوقفون بالكاد قليلًا، ربما لإلتقاط أنفاسهم المبهورة، أو لمسح حبات من العرق، كانت أصابعهم وأرجلهم هى من تكتشف الدروب المجهولة، بينما روحهم عالقة بما أودى بهم إلى هنا، وما زاد الطين بلة أن الرياح كانت تهاجم وجودهم غير المرغوب فيه، فتثير الفوضى حولهم لعلهم يرحلوا، ثم ما تلبث أن تهدأ الزوبعة، فيتنفسون مجددًا.

على الأرجح كان ذلك الرجل الضخم قد فوضوه ليُصبح فى مقدمة صفوفهم-والذى عُرف بينهم بإسم آدم-ليس لضخامته فحسب، ولكن لشخصيته المكتسحة لأى معارضة تافهة تبدو من أحدهم، لذلك كان قبل أن يغوص بوحل ذلك اللغز، كان زوجًا ككل الأزواج، يأكل ويشرب، لا يبالى بأطفاله طالما زوجته تصرخ بوجههم كلما أخطأوا، لا يبالى بزوجته نفسها، يحب أخرى، ولا يستطيع تذكر متى أحبها، فهو لا يستطيع الإحتفاظ بهذه اللحظة الأولى من الذكرى، فلا شيء يبقى على صفائه، ولا شيء يبقي على سعادته، فما كان مبهجًا؛ بمرور الوقت أصبح مملًا، بالبداية كان خائفًا من ذنب خيانته لزوجته ولأطفاله ولنفسه، فهو لم يكن منحلًا أو محبًا للمعصية، لكنه ضعف أمامها، لقد بدا أمامها كأنه طفل صغير، كان كالمنوم، يتبع تعليماتها بدقة متناهية، تأمره بالمجئ غدًا فيطيع، تهجره لمدة شهر ولا يحق له أن يعترض، فالعقوبة أن تتركه للأبد، وهو لن يستطيع أن يتحمل حتى وإن كان مل من استهلاكها إياه..

  قطع ذلك الفيض من الذكريات صوت صهيل عبر ميكروفانات خفية  يأمرهم بأن يتوفقوا هنا، لم يكن ثمة ما يُشعرهم بالتوتر سوى هذا الصوت الذى يأمرهم بين الحين والآخر بأن يتجهوا يمينًا أو يسارًا، يتخبطون بين أشجار سرية، وشوارع ضيقة تُفضى إلى أخرى عريضة، كانوا كمن يخوضون بمستنقع.

  "داليدا" تلك الشقراء الجميلة، كان قلبها يكاد يُنتزع من جسدها من هول دقاته الخائفة، كانت تشعر بأن ثمة كابوس بالأمر، فهى زوجة وأم لطفلين، مهووسة بالنظافة المنزلية، زوجها يكاد يُجن من ذلك الهوس، يترك لها المنزل ويذهب لأمه، كانت تعتقد أن ذلك الشيء الأسوأ بالعالم، لكنها إعتادت على بعده، بل وشعرت أنه متزوج من أخرى، ذلك الهاجس عذبها حد المرض، نحلت من جرائه بشدة، صار وجهها أصفر اللون، تشع منه ومضة مريضة، كانت أمها تعاتبها على صراخها المتكرر بوجه أطفالها، فصرخت بوجهها هى الأخرى حتى أبكتها، بادرت نفسها بالسؤال الآن وهى على حافة الهاوية: " هل فعلًا هذا السبب بأننى فى تلك الدوامة؟"..

  شارفت الشمس علي الغروب، انتابهم إحساس ممض بالهلاك، ماذا هم فاعلون؟ ومانهاية ما هم فيه؟ وما هو هدف سيرهم بتلك الطريقة التى تخلو من أي منطق؟ هناك أشياء كانوا يحتاجون أن يمعنوا التفكير فيها، لكن كيف لهم أن يستجلبوا عقولًا قد تاهت بين براثن المجهول.

"فى بعض الأحيان كنت أظن أننى سأجن، ولكن ليس لهذه الدرجة".  

  هكذا رددت "فاتيما" لنفسها، تكاد تلهث روحها مع أنفاسها، هى الساكنة دائمًا تمارس كوابيسها عليها شعور دائم بالتيقظ الخرف، ينقذها صوت أحدهم، فتتنبه، ثم ما تلبث أن تعود لحالها الممض، ربما هو رفض غير مبرر بأن تكون على علاقة بتلك الجريمة الشنعاء والتى تسمى واقعها المخزى، فهى قاتلة، بعد أن قامت بقتل زوجها وطفلها، برر القضاء فعلتها بمرضها النفسى الذى تعانى منه منذ صغرها، وأودعوها مصحة نفسية، لم يسأل عليها أحد من أقاربها؛ فقد وصمتهم بعارها النفسى، لم تبالى، كانت تائهة بين أحداث كوابيسها اليومية..


"ما عليكم سوى بالإنحراف قليلًا، ستجدون حبلًا سميكًا أمامكم، فلتعبروه"

  اتسعت أحداق الجمع من فرط ذعرهم، التصقت نظراتهم بعقد الحبل أمامهم، لم يكن هذا ما يقلقهم، لكن ما تحت الحبل هو ما أثار رعبهم، فمن سيتعثر سيقع من إرتفاع مهول، بدأت بودار التمرد ترتسم على ملامحهم، فتخللهم الصوت الناعم نفسه يأمرهم بالتنفيذ، تقهقروا إلى الوراء، راعهم ما حدث فجأة، فقد اختفت الطرق خلفهم، فالحبل أمامهم وجدار صلب وراءهم، تجمدوا للحظة، تبادلوا النظرات، فى الحقيقة لا صلة تجمع بينهم سوى وجودهم بهذا المكان الغامض، لذا كانت أواصر معرفتهم باتت قوية لجهلهم المشترك بما سيواجههم.

  "رأفت" ذلك الرجل المسن، لم يكن على دراية كاملة بسبب وجوده بهذا المكان، لكنه كان يستجيب فحسب، فلم يكن يمتلك خيارًا آخرًا، كل ما يتذكره هو إصابته الطفيفة بالزهايمر، فهو ينسى كل شيء ثم على حين غرة يتذكر كل شيء، كانت عائلته قد أهملته وغادروه واحدًا يلي الآخر، لكن شد عضده جاره المسن هو الآخر، قام بإنقاذه عدة مرات، صبيحة يوم وجده بالمطبخ مفتوح العينين، غائضٌ لونه بين دخان أسود، وقد تفحم رغيف العيش الذى كان سيأكله مع قطعة جبن، كان يتمنى وجود جاره معه بهذا الموقف العصيب، بل بالفعل بحث عنه ولم يجده، كان خائفًا من ذلك الحبل المخيف، فتحته تتراقص أمواج بحر هائج، يبدو ككيان مخيف، وحينما قام بسؤال تلك المرأة بجانبه عن حقيقة ذلك البحر، بادرته بقولها بأنها لا تري أى بحر، وما تراه حقًا هو جبال هائلة ستدق عنق من سيسهو ولو للحظات وهو يعبر بين عقدات الحبل.

  استمر الصوت يأمرهم بالإصطفاف إلى مجموعات، إرادتهم الحرة كانت تنسل من بين أوردتهم الواهنة، كان الإصغاء صعبًا فى ظل تلك الظروف، فأخذوا يمشون على طول الشارع أمامهم، ينتظرون بفارغ الصبر مرور أولهم، ربما لبث أمل زائف بنجاح وصوله إلى الجانب الآخر بسلام بأنهم سيفعلونها مثله، تأملوا جسده النحيل بشفقة، يتسكع بهيئة لامبالية، حتى وصل إلى مقدمة الحبل، تنهد، وضع قدميه على أول الحبل بثبات، لم يكن يفكر بتلك الريح التى تعوى وكأنها أرواح غاضبة، بل كان رعبه من إفتضاح أمره أمام الجمع بأنه مجرد أفاق أمام كل تلك العيون المجردة منهم، وقد تمثلت صورته أمامهم كطوق نجاة.

  "روز" أو "روزاليندا" كما يحب أن يدعوها زوجها، شابة قد شارفت على الثلاثين، تزوجت منذ خمس سنين، لكنها لم تُرزق بأطفال، لم ترحب بفكرة أن تضيع وقتها بالبحث عن حلول، تجاوزت عقمها بهدوء، فصار جزء من ذكرياتها المعتمة، ربما طالبت زوجها بالإنفصال، لكنه لم يشكو من عدم إنجابها، وأيضًا لم يرضى، وتزوج من أخرى، واستمرت فى الحياة معه وكأنها لم تعلم، وهو أيضًا، ربما بصلاتها كانت تناجى ربها وتسأله على استحياء: لماذا أنا؟ ثم تنتهى من الصلاة وتتجه إلى الحمام لتقوم بغسل وجهها، وتعود بملامح هادئة بجانب زوجها، أما هنا بين تلك الجموع التى لا تعرفها، فقد أعادت طرح السؤال بطريقة أخرى: لماذا أنا هنا؟ كما أن نجاح مرورها على الحبل لم يكن يُطمئنها، فما الذى يوجد على الجانب الآخر؟ ربما وجودها هنا أفضل،حولت عينيها إلى النحيل الذى كان أول من سيبدأ السير، وهى تميل برزانة بوجهها الكبير.

  شهقوا جميعهم، حينما ترنح للحظة، تنفسوا الصعداء حينما إستعاد إتزانه مرة أخرى، كان ينتقل ببطء بين عقدة وأخرى، ذكرهم بالزرافة، وحينما طافت تلك الفكرة برؤسهم، تبادلوا الإبتسام بشك متصلب أن الأمر كله لا يتعدى كابوس ملطف، كان هناك ترابط إنسانى بينهم رُغمًا عنهم، ثم أعادتهم خطورة الموقف للتركيز بخطوات الشاب.

 تذكرت "فاطمة" الآن قسوة أمها، وأحكامها الجائرة، نظراتها الخاطفة والتى تثير قلقها، لأنها غالبًا تكون بداية مشكلة قد إختلقتها بعقلها، من بين أكوام الذكريات المختلطة بدقة، لم تستطع أن تنسى كيف قامت بضربها بعنف حينما تلكأت أمام العمارة التى تقطن بها، لتتبادل بعض الكلمات مع صديقتها الوحيدة، كانت تصنف صديقتها تلك بالمنحرفة، بل كانت تسرد حكايات خيالية عنها، وحينما كانت تقوم "فاطمة" بالدفاع عنها، كانت تقوم بلطمها بشدة، ربما هذا الوضع الذى هى فيه الآن سيئ، ولكن ليس أسوأ من حياتها مع أمها، ستراقب ذلك النحيل ذو الخطوات الوئيدة بدقة، وستعبر مثله، لم تكن مجرد فكرة، إنما هو إحساس يتخللها بأن الأفضل هو القادم.

  تمزقت أفكارهم إلى أشلاء بسرعة فائقة، كاد عقلهم يترنح من شدة تفكيرهم، يبحثون عن إحتمالية نجاح الشاب للوصول، فتنقبض قلوبهم حينما يدركون إن إحتمالية نجاحه تكاد تكون أقرب إلى الصفر، وأن وقوعه سيكون مريعًا، كانت الطمأنينة تتساقط كحبات مطر، تنفسوا بشدة، الهواء فجأة أصبح رفيقًا يحتل فراغاتهم بنزق، يعبر أمامهم مثل شبح متفحص، وينسحب نحو لاشيء مجددًا.

"لماذا سافرت كل هذه المدة؟ لماذا لم أحضر جنازة أبى؟".

  دار هذا السؤال بذهن "مختار"، ربما ليهرب ولو للحظة من قلق مراقبة الرجل، والإجابة الآن تحورت أمامه، يعلم أنه لن يستطيع أن يعود إلى منزله وقد مات أبوه، كان سيشعر بحضوره إلى جانبه، بأصابعه على ذراعيه، برائحة تبغه، ثم سيفيق على تلك الحقيقة المروعة، أن أباه قد مات وهوغاضب عليه، لقد توسله أن يقطع تذكرة سريعًا، يشكو إليه من ضيق تنفسه، وبأن نهايته تلوح أمامه، لم تنتابه الشفقة، بل كان يستمر فى مراقبة الفيلم أمامه ويهدئ من روع أبيه بصوت رتيب، كان يُطمئن نفسه بأن أباه يبالغ ليجعله يرجع، لذا حينما اتصلت به أخته، وبصوت أجش أخبرته بوفاة والدهم، أغلق المكالمة سريعًا، لف بأرجاء الشقة كالمجنون، نام لبعض الوقت، إستيقظ، وعلم أنه كان يبكى أثناء نومه، حينما هاتفه صديقه يخبره بأنه سينتظره في ميعادهما المعتاد، قام بإخباره بوفاة والده، ربما شعر أن صديقه حزن لإلغاء الميعاد أكثر من حزنه لوفاة والده! ما الذى أتى به إلى هنا؟ هل هو عقاب لعقوقه لوالده؟ أم أنه كابوس إصطعنه ليجلد ذاته البائسة، تمنى لو كان كابوسًا وسيستيقظ منه الآن، لكن الأجواء حوله تخبره بأنه واقع، ذلك النسيم الذى يلطم وجهه محملًا برائحة مقيتة تخبره بسوء طالعه مهما حاول الهروب من نفسه.

  إهتزت الأرض تحت أقدامهم بقوة، يهرولون هنا وهناك، نسوا أمر النحيل، ربما هو فى وضع آمن بالنسبة لهم، أمام أعينهم تبدلت الرؤية، بيوت قاتمة باتت تلوح أمامهم، شوارع تحف أرصفتها أشجار ضخمة، يهرولون نحو الأبواب المغلقة، يحاولون دفعها؛ فيعجزون عن ذلك من فرط صلابتها، كان "آدم" ذلك القائد الضخم يحاول أن يقوم بكسر زجاج النوافذ، لكن ما حدث هو إهراق دماء لزجة بين كفيه فحسب، لا يدري من المصاب، صرخت إحداهن بأن علينا أن نصرخ جميعنا، فربما يستجيب من بالداخل، بصوت واحد بدأوا فى الصراخ، ربما كان الصوت واهنًا فى بادئ الأمر، ثم بات مخيفًا، فصراخهم تجاوز الحد الإنسانى فصاروا كحيوانات تعوى، ورغم عدم نجاحهم للوصول إلى نتيجة، إلا أن صوتهم إزداد حدة، صار مروعًا، وأخيرًا فُتح الباب، طالعتهم شاشات ضخمة، تعرض الشاب النحيل، ولكن لذعرهم لم يكن ما رأوه يستحق كل ذلك الجهد المبذول، لقد كان النحيل يطلق صرخاته الفزعة وهو يسقط من عل، تبدو على خلجاته عدم التصديق، انبعث طنين مزعج من مكان ما، حاولوا حجبه بوضع أيديهم حول آذانهم، بدأ بعضهم في البكاء، والبعض ارتموا على الأرض كالجثث، بعضهم بدا متماسكًا، فى النهاية كانوا جميعهم فى إنتظار التالى.

  "زين" ذلك المراهق الذى لم يتجاوز السابعة عشر من عمره، إدراكه الفتى جعله مؤمنًا بأن ما يمر به هو عقاب لعدم بره أمه، ودعواتها المسترسلة عليه بالهلاك، الآن يتذكر سرقته لأموالها الضيئلة، والتى قامت بجمعها بصعوبة بالغة، وبرعونة بالغة يغدق على نفسه بها دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، ثم يستقبل صراخها بهدوء، يراقب لطمها لوجهها وهو يلوى شفتيه بسخرية، تعايره بأنه ليس رجلًا ليسرق أموال أمه المسكينة، تقوم بصفعه، يتجه إلى غرفته، وبحذائه يرتمى على السرير، يرتفع صوت شخيره وهو لا يدرك أن أمه تعض يديها التى قامت بضربه، الآن وهو فى ذلك الموقف العصيب يود لو أنها أمامه الآن، بوده لو يقبل قدميها، أن يذرف دموعه الحارة طالبًا منها المغفرة، حاول البحث عنها بين الجموع، ورغم صغر سنه أدرك أن ذلك الجمع هم من كانوا مثله ولو إختلف الخطأ الذى فعلوه، لذا فإنه لن يجد أمه.

  إستغرقهم التفكير، قطعته فتاة لطيفة بقولها لماذا لا نفكر سويًا؟ تأملوا ضفائرها المنسدلة على كتفيها، ترتدى عوينات طبية تمنحها براءة معقولة، مع لمسة ذكاء لا بأس بها، أكملت: لماذا نحن هنا بالضبط؟ ولماذا لا يتواجد من نعرفهم من أقاربنا أو أصدقائنا؟

-ربما هم بمكان آخر.

-أعتقد أنهم ماتوا لسبب ما ونحن أحياء نعانى هذا العذاب.

-العكس عزيزى، نحن الموتى وهم مازالوا يعبثون بحياتهم.

-دعونا من تلك المهاترات، ماذا سنفعل؟

  وكأنها بهذا السؤال قد أثارت حفيظة الصوت الناعم الذى ينسل خلالهم برتابة، فجاءهم الرد بأن يستعدوا للخطوة القادمة.

لم تكن "سارة" على علم مثلهم بكنه وضعهم بتلك المحنة، لكنها بداخلها تعلم أن ما كانت تقوم بفعله له دور فى صنع ذلك المشهد المرعب، تأوهت بصوت منخفض، كانت فقيرة، لذا لم تمانع بأخذ بعض الرشاوي التى كانت تُقدم لها من خلال منصبها الوظيفى، مثلها مثل كل النساء تحب إرتداء الملابس الجميلة، الأحذية الرائعة، الحقائب ببصمة ماركتها، ثم الرغبة تلو الآخرى، لماذا تعيش بذلك الحى الشعبى؟ ستنتقل إلى حى راقى، وماذا يحدث لو إمتلكت سيارة؟! ثم أنها لا تأخذ المال جزافًا، فهى تسُرع فقط من إتمام العمل، هكذا كانت تبرر لنفسها جرمها الشائن، الآن وهى تتصبب عرقًا، تتمنى لو كانت لم تأخذ شيئًا، تتمنى لو تمسكت بمبادئها وزهدت بما لم يُكتب لها أن تمتلكه، ماذا عليها أن تفعل الآن؟ هل التوبة الآن تُقبل؟ أم أن وقتها قد ذهب ولم يعد!

  اختفت البيوت، صارت السهول تحاوطهم من كل جانب، بعضهم أصابه الدوار لكنهم لم يمتلكوا القدرة أن يرتموا بالأرض، وكأنهم فقدوا السيطرة لإدارة دفة أجسادهم، كانوا كقشة واهنة، كانوا لا يشعرون بمرور الوقت، مع سماع أصوات إيقاعية لبندول ساعة ما بين حين وآخر، قامت فتاة أخرى يبدوعلى وجهها الشبيه بقلب مسحات من السذاجة، لكنها سألت سؤالًا فى منتهى الأهمية: لماذا لا نبحث عن مخرج بدلًا من معرفة سبب ما نحن فيه؟

  لم يحر أحدا منهم جوابًا، ربما لأنهم بقرارة أنفسهم كانوا يدركون السبب، أو ربما بعضهم ممن يمتلك الذكاء الكافى للفهم، أكملت الفتاة بحماسة: نحن قيد فكرة ما، ولن نصل لطلاسمها إلا لو أدركنا ما العامل المشترك بيننا.

-نحن محبوسون قيد أفكارنا يا صغيرة.

-فلنتمرد إذن.

-لقد فات أوان هذا، أعتقد أن الحل هو فى الإعتراف.

-لكن لماذا نفضح أنفسنا؟!

-على أقل تقدير نفكر فيما فعلناه مليًا، ثم ننوى عدم الرجوع إلى ذلك الفعل مرة أخرى.

-كلنا نصيب ونخطيء، لذا لو كانت تلك الفكرة على صواب، لكان العالم أجمع معنا.

-ربما تابوا!

  "حواء" تلك العجوز القلقة، ولمَّا كانت أقل صلابة وحسمًا من الجميع؛ فكانت تتمنى لو إنتهى هذا المشهد سريعًا، ورجعت إلى سير حياتها الروتيني بسلام، ربما عانت من الأمراض المزمنة، أو من تجاهل أبنائها لها، ربما باتت تنسى الغلاية على البوتاجاز؛ فلا تتذكرها إلا حينما ترتفع الأدخنة أمام عينيها بكثافة مثل ذكرياتها المضطربة، كانت تتوه بدورب ما مرت به أكثر فأكثر، لكن ما هى فيه الآن يجعلها تتغاضى عن ألمها، وظهرها المنحنى، ونظرتها التى انطفأت تحت وطأة ثقل وحدتها، كانت تتسائل بشرود ماذا فعلت لتمر بكل تلك الأحداث المرعبة، وكيف لها أن تعبر ذلك الحبل وهى تعانى من خشونة ركبتها المؤلمة! هل كانت ستزحف؟! ولماذا باتت تشعر بكراهية تجاه تلك الجموع حولها، فلا أحد يرثى لحالها البائس، ولا أحد يحاول أن يطمئنها ولو ببعض الكلمات، كانت بين كل حين وآخر تلقى عليهم نظرات موبخة، لكنهم كانوا يتجاهلونها عمدًا، ربما لأنهم رأوا إتهامًا صارخًا بعينيها بأنهم السبب فى وجودها هنا، مع الوقت كان تنفسها يصير ضيقًا، متقطعًا بوقفات طويلة محسوبة، تحاول أن تقبض بيديها على شهقات هواء تُعينها على الإستمرارية، ثم ما تلبث أن تنشغل بمراقبة ما حولها.

  إلتفوا الآن بداوئر متتالية، يحاولون أن يصنعوا رؤية متماسة مع واقع ما يمرون به، سيبدأون بلم العناصر المتناثرة هنا وهناك، والمعلومات الجزئية، كانوا قادرين نوعًا ما على صنع سيناريو متماسك، وبناء نوع من الحجة المنطقية لما يمرون به، وكيفية الخلاص منه أو مجاراته لو كان هذا قدرهم الدائم.

  لم يكن "يوسف"خائفًا، هى المرة الأولى التى يكون فيها جزءًا من شيء أكبر منه، كان يتحرك مع الآخرين، يفعل ما يفعلونه، دون أدنى تفكير، كانت تتملكه تلك الفكرة العجيبة، أنهم هم الأذكى والأفضل، وسيصيبه ما سيصيبهم، بحياته كان دائمًا يخشى من كلمة مسئولية، لذا لم يُكمل تعليمه، ولم يتزوج، كان يعمل بمهن وضيعة لكسب العيش ليس إلا، لكنها فى مجملها بسيطة، كان يحس أنه سعيد وحر، حتى لو نعته البعض بالمغفل، فماذا يضيره وهو لا يتحمل أدنى مسئولية تجاه أى شخص أو شيء، لذا إكتفى بمحاكاة الآخرين، فثمة شيء موعود يستحق أن يعيش معهم هذا المشهد الآنى.

  جلسوا على الأرض، إنتبهوا إلى غياب الصوت الآمر، لم يبالوا، واتتهم الفكرة على حين غرة، إكتفوا بالصمت لأن ما راود عقولهم لم يكن جيدًا، وأيضًا لم يكن سيئًا، ربما كان مخيفًا، لأن الحل لن يكون متاحًا للجميع، بدأوا فى الكلام كلهم فى نفس الوقت، فاختلطت الحروف ببعضها البعض، يلوحون بأيديهم، بدا كل شيء غير مفهموم، الغضب إرتسم على ملامح البعض، وسكن الإستنكار ملامح البعض الآخر، قلة من كانت ملامحه تبدو هادئة، فاجأهم الصوت الناعم فجأة وقد امتزجت نعومته لأول مرة بنغمة إشفاق: لو استمتعم لبعضكم البعض ستجدون أن سبيل الفرار من كل ما تعانونه فى منتهى البساطة.

-كما قلنا سابقًا، نحن محبوسون داخل عقولنا المترهلة، من سينجح فى تحطيم قضبان فكره ، سيتحرر.

-أعتقد يا سيدى العظيم ليست أفكارنا، نحن سجناء أخطاءنا، أصبحت كالبلورة، لا تعكس سوى سوء  فعلتنا.

-وذلك النحيل...

-كان خطئه من العظم بحيث قضى عليه نهائيًا.

  وجل الجميع لتلك الفكرة التى تبدو أقرب إلى الأفلام الخيالية، لكنهم شعروا بصوابها، فكل واحد فيهم مكبل بخطيئته، ووجب عليهم الآن الندم وطلب المغفرة..

-التوبة الصادقة ستجعلك حرًا من كل ذلك، وستجد نفسك بغرفتك، بمنزلك، بمكان عملك، إنما لو كانت كاذبة؛ فلن تستطيع أن تتحرر، وستظل حبيسًا هنا شئت أم أبيت.

بدا الصوت الناعم متذبابًا وهو يقول: أحسنتم.

-السؤال هنا ماذا لو كانت تلك الفكرة خاطئة؟

-سنظل هنا حتى نفهم.


  حاول كل واحد فيهم التركيز فيما فعله، نكسوا رؤوسهم، يحاولون عزل بصرهم وسمعهم عمن حولهم، كأنهم كانوا يخشون بقرارة أنفسهم أن يقرأ الجمع أفكارهم، كان تعاقب الزمن مرهقًا حد الإحساس بأن الهواء صار خانقًا، فكل شيء يدور حول نقطة مظلمة وبعيدة، والخوف كل الخوف أن يكون استغفارهم كاذبًا للتخلص وقتيًا مما يعانونه، فيفشلوا فى فض أسرهم، حاولوا إسقاط العالم أجمع من تفكيرهم، أفرغوا روحهم من كل ضغينة أو كراهية يشعرونه تجاه أى أحد، يحاولون بضراوة تحطيم الزنزانة الغارقة فى الظلمة، كانوا كمخلوقات عمياء تسبح بوسط معدوم الضوء، يتخبطون، باتوا ككتلة مظلمة خفية تحاول أن تتفتت، بكل هدوء بسطوا حياتهم أمامهم، بادئين بالنتيجة، عائدين إلى البداية، بدأوا حكايتهم بالجنة، ثم تابعوها بالخطأ، مرورًا بالإبتلاء للتطهير، أو الوقوع المؤسف فى خطأ أكبر دون تردد، لمحوا لحظات ضعفهم المؤسف بحزن، بعضهم من أدان نفسه بشدة، وبعضهم من رمى سهولة وقوعه بمنحدر الإثم على آخرين، وبعضهم من استسلم لفكرة أنه لم يكن يقصد إرتكاب ذلك الفعل المشين، لقد فعله دون وعى، اهتزت الأرض تحت أرجلهم بشدة، فى تلك المرة لم يخافوا، علموا أن ذلك وهم، وأن ذلك من صنع خيالهم، وأن كل هذا الإهتزاز ما هو إلا تصارع مشاعرهم مع بعضها البعض، صارت الريح عنيفة تحاول إقتلاع ثباتهم، كعوب خفية تقرع البلاط تحت أقدامهم، كانت جل مقاومتهم هو هروبهم إلى الماضى، بدلًا من إحساسهم بالمكان الذى هم فيه بالفعل، وفى كل مرة حاولوا الالتفات حولهم، يضبطون هيئتهم المشوهة فى عمق ضوء مائل، أدركوا أن عليهم الخلاص منها، ليثوبوا إلى حياتهم، سطعت أضواء كثيرة مختلفة حولهم، يشعرون أن أيادى خفية تجذبهم نحو المجهول، قاوموها بكل قوتهم، رددوا إستغفارهم بصوت عال، إمتقعت وجوههم، ينظرون فوقهم فى انتظار النجدة، وبالفعل أتت، لقد وجد "آدم" نفسه يحتضن زوجته وأطفاله، زين بين يدي أمه يبكى كالأطفال يتوسلها المغفرة، داليدا تجلس بسعادة بين زوجها وأطفالها وتتأمل سعادة أمها بها بكل حبور، بينما ظل آخرون يقاومون الجذب بالدفع، لكن لا فائدة، لقد إنتهى المشهد بإختفائهم جميعًا بين دوامات لانهائية، حيث غرقوا بين ظلمات تفكيرهم؛ فنجح فى إبتلاعهم، وإنتاب الصمت المكان، وأُنزلت ستارة النهاية تُخفى الآتى، تبتلع ذكرياتهم تغمسها بطوف من أحبار سائلة سوداء لا تعكس أي خاطرة.

المشهد بأكمله يبدو لمن يراقبه -خاليًا- قاتمًا. لا مفر من القول بأن الحلول تكاد تكون منعدمة! المكان أشبه بغابة، مجموعة من الرجال والنساء يتقدمون فى الضباب، يكتنفهم الصمت فلا ينبسوا ببنت شفة.. هذه المرة تحدوهم لهفة ممزوجة بحبور غير مبرر، هذي المرة يعلمون أنهم استمهلوا الفرصة وحيزت لهم، هذي المرة يعلمون أنهم جاءوا لذلك الموقف مرارا، لكن هذي المرة جاءوها مستعدين، يتدافعهم رتل خفي من حروف ألفتهم وألفوها، يتناقلونها بتمتمات متبتلة خنوع، تسبي عظامهم وكرات دمائهم يتبتلون بتمتمات منغومة دون تكلف "أستغفر الله".

Content created and supplied by: Nisreenekhalil (via Opera News )

Opera News is a free to use platform and the views and opinions expressed herein are solely those of the author and do not represent, reflect or express the views of Opera News. Any/all written content and images displayed are provided by the blogger/author, appear herein as submitted by the blogger/author and are unedited by Opera News. Opera News does not consent to nor does it condone the posting of any content that violates the rights (including the copyrights) of any third party, nor content that may malign, inter alia, any religion, ethnic group, organization, gender, company, or individual. Opera News furthermore does not condone the use of our platform for the purposes encouraging/endorsing hate speech, violation of human rights and/or utterances of a defamatory nature. If the content contained herein violates any of your rights, including those of copyright, and/or violates any the above mentioned factors, you are requested to immediately notify us using via the following email address operanews-external(at)opera.com and/or report the article using the available reporting functionality built into our Platform

قد يعجبك

حُسن الخاتمة.. فنان توفي وهو يقرأ القرآن وسر تأخير دفنه و«تغسيله وتكفينه» مرتين .. أسرار متولي علوان

2 hours ago

533 🔥

حُسن الخاتمة.. فنان توفي وهو يقرأ القرآن وسر تأخير دفنه و«تغسيله وتكفينه» مرتين .. أسرار متولي علوان

هل تتذكرونه.. هذا ما حدث لاحمد جلال بعد "حضرة المتهم أبي"؟

2 hours ago

147 🔥

هل تتذكرونه.. هذا ما حدث لاحمد جلال بعد

نبى كريم تعلم 72 لغة ... وما هى حقيقة علاقته ببناء الأهرامات ؟ والدكتور على جمعة يجيب

2 hours ago

21 🔥

نبى كريم تعلم 72 لغة ... وما هى حقيقة علاقته ببناء الأهرامات ؟ والدكتور على جمعة يجيب

من أجمل فنانات السينما القديمة.. كيف تغير شكل نوال أبو الفتوح في الكبر؟

2 hours ago

105 🔥

من أجمل فنانات السينما القديمة.. كيف تغير شكل نوال أبو الفتوح في الكبر؟

"هام لأصحاب المعاشات".. هذه المخالفات تتسبب فى وقف المعاش.. احذر منها

2 hours ago

244 🔥

في ذكرى وفاته.. تعرف على أمنية مبارك الأخيرة التي لم يتمكن من تحقيقها

2 hours ago

51 🔥

في ذكرى وفاته.. تعرف على أمنية مبارك الأخيرة التي لم يتمكن من تحقيقها

هدية ربانية لعلاج جرثومة المعدة والوقاية من نزلات البرد ومحاربة أمراض الشيخوخة

2 hours ago

108 🔥

هدية ربانية لعلاج جرثومة المعدة والوقاية من نزلات البرد ومحاربة أمراض الشيخوخة

نكتة قالها إسماعيل يس تسببت فى غضب الرئيس جمال عبدالناصر .. لن تصدق ما هى النكتة

3 hours ago

45 🔥

نكتة قالها إسماعيل يس تسببت فى غضب الرئيس جمال عبدالناصر .. لن تصدق ما هى النكتة

5 أسباب وراء الشعور بالصداع في الصباح.. و8 طرق للتخلص منه

3 hours ago

49 🔥

5 أسباب وراء الشعور بالصداع في الصباح.. و8 طرق للتخلص منه

" تعرف عليها واغتنم أجرها" سورة من يقرأها ينظر إلى النبى ويعيذه الله من الفضيحة يوم القيامة.. فما هى؟

3 hours ago

107 🔥

تعليقات