Sign in
Download Opera News App

 

 

قصة| فتاة تعشق أبيها وإخوانها الثمانية وبعد وفاة والدهُم كانت المفاجأة

في إحدى القُرى الريفية كان هُناك رجُلاً إقطاعي يُسمى سالم، وكان رجُلاً طيباً وكريماً وقد رزقه الله من كل شيء، مال وأراضي وممتلكات، وزوجة صالحة ومن الأبناء ثمانية ذكور ولكن سالم كان يتمنى إبنة أنثى،

لتكون الحنونة التي ستحمله وزوجته عندما يكبرون، وأذن الله أن يتحقق حلم هذا الرجل الطيب، فحمِلت زوجته وأنجبت له تلك الإبنة، ولشدة فرحهُ بِها سماها حبة الرُمان، ولكن يشاء القدر أن تموت زوجته أثناء ولادة الصغيرة،

حزِن سالم وأهل بيته، والناس في القرية حُزناً شديداً ولكن الصغيرة الجميلة عوضته قليلاً عن فراق أمها، أحبها سالم حُباً شديداً، وكانت مُدللته ومدللة إخوانها، وكانت لا تطلب الطلب مرتين لشدة حبهم لها،

مرت الأيام وكبَرت حبة الرُمان لتكون أجمل فتيات القرية وأكثرهُن أدباً وعلماً وتديُناً، وكانت كلما تمشي في السوق يحيط بها إخوانها الثمانية، من كل جانب ليحموها حتى من نسمة هواء قد تؤذيها،

وكان هذا الجمال والحب والمعاملة سبباً كافياً لتغار منها كل فتيات القرية وليعشقها كل شاب وقعت عينيه عليها، كبر الإخوة وأصبحوا ثماني رجال أقوياء، وآن لكلٍ منهم أن تُصبِح لديه زوجة وأسرة.

ولكن الأبناء خجلوا من أبيهم، فطلبوا من أختهم أن تخبر والدهم برغبتهم لأنهم كانوا يعرفون جيداً، بأن سالم لن يرفُض لأميرته أي طلب، فرِح أبوهم بذلك فرحاً عظيماً، وراح يخطب لهم بنات الشيوخ والعُلماء.

وكان رضا حبة الرُمان عن العرائس، هو أهم شروط سالم، إختار سالم وأبنته العرائس الثمانية وزوج أولاده جميعاً في يومٍ واحد، وأقيمت الأعراس والمأدب لسبعة أيام وليالي، أحب سالم زوجات أبنائه، وفرح بهن فرحاً عظيماً،

فقد أصبح لديه ثماني بنات، وعاملهُن أفضل مُعاملة، ولكن سيدة قلوب الجميع كانت حبة الرُمان، وهذا كان سبب كافياً لإيقاظ نار غيرة زوجات الأخوة، اللاتي كُن يتمنين ذلها وموتها، لِما رأينهُ من حُبِ عمهِن وأزواجهِن لها،

مع أنها كانت لطيفة معهُن وتِحبهُن كثيراً، ولا تضمر لهُن أي حقد، ورحن يتشاورن ويتهامسن ويحكين مؤامرات عليها فحس الأغا، بشر نفوسهن، ولكنهُ ما كان لا يظلمهُن بإحساسٍ في قلبه.

ولكن من التي ستتجرأ على الإقتراب منها، أو رميها ولو بوردة، سيكون ذلك اليوم آخر يوم لها في القرية، أو رُبما في الحياة، فسالم ماكان ليسكُت عن ظُلمٍ يُصيب إبنته أو أن يُحاق ضدها.

مرت الأيام والشهور وسالم في إنتظار اليوم الذي سيفرح بأميرته الصغيرة، والتي أصبحت شابة بعُمر الزهور، ويزوجها لإبن أحد كبار القرية أو رُبما فارس شُجاع، أو تاجر كبير يليق بجمال وأخلاق إبنته الجميلة.

ولكن لا شيء في الحياة يُمكن أن يكتمل فالموت كان أقرب إليه.

مرِض سالم مرضاً شديداً، وشعر بإقتراب أجلِه فنادى أولاده الثمانية، ليوصيهم آخر وصاياه، وكان رأسه في حجر حبة الرُمان، التف الرجال الثمانية  حول سرير أبيهم الذي خاطبهم بحُزنٍ وقال، يا أبنائي كُنتُم لي نعم الأبناء،

تعملون في حقكم وتعتنون برزقكم، قلبي راضٍ عنكم وأوصيكم بأن تسعدوني في قبري كما أسعدتموني في بيتي، أوصيكم بالفلاحين خيراً، ولا تنسوا الفقراء والمساكين، والصدقات وكونوا يداً واحدة فيدُ الله مع الجماعة،

واحرصوا على أختكم ولا تنساقوا وراء كيد النساء، أختكم أختكم أختكم هيّ مِفتاحُ رِضايا عنكُم وإذا ظلمتوها فليغضب عليكُم الله.

تلك كانت كلماته الأخيرة ومات سالم وهو يوصي الأخوة بأختهم، وكأنه يشعُر بما سيحِل بها من بعده، عمّ الحُزن في قلوب كل أهل القرية، واتشحت النساء والرجال بالسواد وبكى الصغير والكبير حُزناً، أما حبة الرُمان فكان حُزنها الأشد على أبيها،

ظلت تبكي وتبكي لأيام، وماعادت ضحكتها تُزين شفتيها، ولكن إخوتها لم يتركوها على هذا الحال، فصاروا يغمرونها بالحُلي والهدايا، ويأخذونها في رحلاتهم ويفعلون المستحيل حتى ترضى، وتفرح وتعود شمعة بيتهم المُضيئة،

مرت الأيام في القرية وعادت السعادة مؤقتاً إليهم، لأن القادم أعظم.

وصلت نارُ غيرة زوجات الأخوة إلى أوجَها فأصبحت قلوبهُم مليئة بالحقد تجاه هذه الشابة الرقيقة، وذنبها الوحيد هو حب إخوتها لها، وإمتثالهم بوصية والدهم، فإحداهُن تقول لزوجها، أختك تقضي طول النهار تتجمل وتتزين لمن هذا يا تُرى،

فيُخرسها والأخرى تقول إنكسر ظهري بأعمال المنزل، وأختك لاتعمل إلا القليل، فيُسكِتُها.

ورحنا يرمين الفتاة بسهام الغارسين مع أنها كانت بريئة من كل ذلك، حتى خطرت في بال أكبرهُن خُطة شيطانية، ستقلب المنزل فوق رأس أهله، سوف يطعنّ الفتاة بأغلى ماتملُك شرفها، وبدأت النساء في حياكة خيوط المؤامرة، وجاء اليوم المشئوم.

فطلبت من زوجها أن يصطحبن حبة الرُمان في المساء إلى نهرٍ مجاور في القرية بحجة إسعادها والتفريج عنها، فرِح الأخ بذلك فرحاً عظيماً، وسألها عن طلباتهن فقالت، لا نُريد إلا حبات حُمصٍ مملحة ومحمصة بطريقة خاصة لنتسلى بها على الطريق.

وفعلاً خرجت النساء الثمانية ومعهن حبة الرُمان وظلت النساء كل الطريق، يطعمنها حبات الحُمص، حتى جَف حلقها من العطش لشدة ملوحتها، فطلبت منهن الماء وهنا جاء وقت تنفيذ مخطط التخلص منها، فقد وضعت زوجة الأخ الكبرى،

فرخ أفعى في قارورة الماء ولشدة عطش حبة الرُمان لم ترى أوتشعُر بذلك الفرخ، ورفعت قارورة المياه وشربتها كلها، حتى آخر قطرة.

فدخل فرخ الثعبان الصغير إلى بطنها، ومرت الأيام والثُعبان يكبُر في بطن الفتاة، وراحت نساء البيت يتهامسن مع أزواجهن عن بطن أختهن، التي تكبُر يوماً بعد يوم مُشيرات بذلك إلى أنها قد حمِلت في الحرام، جُن جنون إخوة حبة الرُمان،

والتي كانت تتألم بصمت دون أن تعلم هي نفسها ماخطبُها، ولشدة خوفهن من الفضيحة، قرروا قتلها ووافقتهن نسائهم على ذلك القرار، بحجة غسل العار.

فأوكلوا المهمة لأخيهم الصغير، الذي كان أشدهم حُباً لحبة الرُمان، فقرر أخذها للغابة وقتلها، وفي نهار اليوم التالي أخبر الأخ أخته أنه يرغب بزيارة خالتهم التي تسكُن في إحدى القرى البعيدة، وعرض عليها الذهاب معه،

فرحت حبة الرُمان كثيراً، وضبت أغراضها وساروا في دربهم، راح الأخ يسير في الغابات والجبال الموحشة لساعات وساعات وهو يتهيأ لقتلها، ولكن في كل مرة يتذكر وصية ابيه، وحبه لأخته فيقول في نفسه، لنمشي قليلاً بعد.

حلّ الليل والأخ لم يقم بواجبه بعد، فخطرت في باله فكرة بأن يترُك أخته في البرية لتأكلها الوحوش فيغسل عاره، ويقوم بما وكل إليه، ولا يلوث يديه بدم غاليته ووصية والده له.

وفعلاً قال لها أختي أنا تعبت وأنهكني السفر، مارأيُكِ في أن نبيت هنا الليلة وغداً نُكمِل الطريق، وافقت حبة الرُمان وقالت له وهي خائفة من ظلام الغابة، بشرط يا أخي أن أنام على عبائتك وفعلاً، نام الأخ وفرش عبائته تحت رأسها، وانتظرها لتنام.

وما إن أحس بغفوتها حتى قام بسكينه بقطع جزء العباءة التي افترشها تحت رأس أخته، بعد أن وضعت أمان العالم كله في أخيها، وسار في الظلام، تاركاً أخته في تلك الغابة الموحشة المظلمة والتي لايقطع عتمتها إلا ضوء القمر في السماء.

ولا يُسمع فيها إلا عواء ذئبٍ، ونحيب بومةٍ جائعة، حل الصباح واستيقظت حبة الرُمان.

وياللهول لم تجد اخاها، أحست بهم وحُزنٍ شديد وراحت تبكي، ومازاد همها الآم بطنها الشديدة، فكانت تشعُر بسكاكين تُقطِع أمعائها، ولشدة حُزنها رفعت يديها إلى السماء ودعت قائلة يارب إن كان إخوتي فعلوا هذا بي عمداً،

فيبس زرعهم وجفف مائهم وعقر دوابهم ونسائهم، وليصيبك الله يا أخي الصغير بمرض لا يشفيك منه غيري، وأخذت قطعة العباءة تلك ووضعتها في كيس قماشي كانت تضع فيه مجوهراتها،

وفجأةً سمعت أصوات حوافر خيول قادمة نحوها، وصياح رجال، وكأنهم صيادون أو قطاع طرق.

فلم ترى أمامها إلا أن تتسلق تلك الشجرة التي نامت تحتها هي وأخوها، تسلقت الشجرة وإستقرت فوقها بخوف وترقُب.

كانا رجُلين أحدهُم شاب جميل الوجه، تبدو على هيئته وهندامه أنه ذو مكانة عالية، والآخر كأنه خادمٌ له.

وقف الرجلان تحت ظل الشجرة ليرتاحا قليلاً، فارتبكت حبة الرُمان وخافت وأوقعت شيئاً من أغراضها، وهُنا رفع الشاب رأسه، وعرف بوجود أحدهم فصاح إنسٌ أم جان.

فلم ترد عليه من خوفها، فأمر الشاب خادمه بأن يصعد ويستطلع الأمر، وقال له إن كان إنسان فهو لي وإن كان جاناً أو كنزاً أو صيداً فهو لك.

صعد الخادم وانصدم بوجود أجمل فتاة رأتها عيناه حتى أنه نسي سيده في الأسفل، صاح عليه الشاب منبهاً إياه، هااا ياغُلام من يكون، فقال له الخادم هي فتاة وأنزلها معه، فنظر الشاب إليها نظرةً جعلتهُ يذوب في عشقها،

لكنه لاحظ إرتجافها خوفاً فطمئنها وقال لها عليكي الأمان، وأخذها معه إلى قصره، وعندما وصلوا رئس الكل يرحب به وينادونه بالأمير عمر.

وصل الثلاثة إلى قاعة إستقبال القصر، وهنا أخبرها الشاب بأنه أمير البلاد، وهذا خادمه وسألها من أنتي، فخافت إذا عرف قصتها، أن يُرسلها إلى أهلها فقالت له، أنا ابنة راعي غنم وتهت عن أبي وبيتي، بعد أن خرجت أبحث عن دواء لألم أصاب بطني،

الأمير أعجب بحبة الرُمان، وأحبها من أول نظرة، فأمر الأمير طبيبة القصر أن تكشف عليها، لتعرف ماخطب بطنها، إن كانت صادقة أم هي زانية وهربت خوفاً من عقاب اهلها، فقالت الطبيبة إن الفتاة طاهرة شريفة وأن ماببطنها هو من طرف البطن وليس الرحم وأعطتها دواءاً قائلة إن كان شيئاً في بطنك العلوي فستتقيئينه أو يخرج من فمك وإن كان من بطنك السفلي فسيخرُج أيضاً.

فشربت الفتاة الدواء وشعرت بثقلٍ في رأسها وغابت عن الوعي، وراحت بطنها تُصدر أصواتاً وتغرغر وكأن فيها طبلاً، وكل ذلك تحت مراقبة الطبيبة والأمير وبعض الخدم، وفجأةً ظهرت رأس حية من فم الفتاة، وراحت تزحف خارجة من فمها،

وإذا بالفرخ قد أصبح حية كبيرة، زحفت خارج فم الفتاة المسكينة.

ضرب الأمير تلك الحية بسيفه ففصل رأسها عن جسدها، وبين إستغراب وتساؤلات وخوف الجميع بدأت الفتاة تستعيد وعيها، وتفاجأت ببطنها قد عادت كما كانت، وسألتهم عن الذي حدث، فروى الأمير لها بالتفصيل، وأراها الحية، ورأسها المقطوع، بكت حبة الرُمان بكاء حُزنٍ لما آل إليه حالُها ممزوجً بسعادة تخلصها من ذلك الألم وبيان صدقها، واحتفظت بذلك الرأس الملعون في كيسها القماشي.

طلب الأمير عمر منها الزواج، فوافقت وأقام لها الأفراح وعاشا معاً في سعادة، وأنجبت له ولدين كالأقمار.

ولكن وبعد تلك السنين اشتاقت حبة الرُمان لأخوتها، وتسألت عن أحوالهم، وأصابها حُزن لم يعرف له الأمير سبباً.

فسألها عن سبب حزنها فقالت له، أنت الآن زوجي يا عمر، وأنا سأخبرك قصتي كاملة، ولكن بشرط أن تسمح لي أن أزور أهلي، وروت له القصة، فاستغرب الأمير، لقصة زوجته ومدى الظلم الذي تعرضت له.

فأمر لها بعربة تأخذها هي وولديها وخادمه المخلص إلى أهلها، وأمهلها شهراً تعود من بعده، فرحت بذلك فرحاً شديداً، ولكنها لم تعلم بأن ظلماً جديداً ومكيدة قبيحة تحاق ضدها.

فبعد مسيرة أيام على الطريق، جن جنون الخادم ولعب بعقله الشيطان وراود الأميرة عن نفسها، فرفضت ذلك رفضاً شديداً، فأخذ أحد ابنيها وقال لها إذاً سأذبح ابنكِ، قالت له ذبح ابني اهون عندي من أن اسلمك شرفي يا خائن الأمانة، وفعلاً ذبحه الخادم، جاءت الأم المكلومة إلى ولدها تبكي، وراحت تحتضنه وتحتضن أخاه الحي، وطلبت من الخادم أن تدفن صغيرها، وفي غفلة عن الخادم قطعت أذني إبنها ووضعتهم في كيسها القماشي، امسكها ذلك الندل واكملا طريقهما وهي خائفة على ابنها الثاني، وحصل ما كانت تخاف منه، فقد راودها عن نفسها ثانيةً ولكنها رفضت للمرة الثانية، فقتل ابنها الثاني، وطلبت منه ثانيةً أن تدفنه، وفعلت بأذنيه ما فعلت مع أخيه، كانت خائرة القوة، فالخادم قد حرمها الطعام والماء، وقتل ولديها.

أعاد وراودها عن نفسها، فقالت له أنها موافقة بشرط أن يسمح لها أن تذهب وتقضي حاجتها وراء صخرة.

فوافق وهو سعيد، ظناً بأنه سيحصل على مراده، ولكن الأميرة، خيبت ظنه فراحت تركُض بين أشجار الغابة، بأسرع ماتقدر، وتبحث عن مكان تختبئ فيه، والخائن يلحقها ويتوعدها بالقتل وفجأةً سقطت الأميرة في النهر، وأخذها تيار الماء القوي الشديد البرودة، فقال الخادم في نفسه أكيد أنها ماتت من السقطة، أو برودة الماء، سأعود إلى القصر وأخبر الأمير أنها هربت مع ولديها ولم أستطع اللحاق بها.

وعاد أدراجه ظناً منه، بأن الأميرة ماتت، ولكن ماكان الله ليتركها تموت قبل أن تأخذ حقها مِن مَن ظلموها.

أرسلت مياه النهر الأميرة إلى إحدى القرى، وتفاجأت كيف أن الماء في ذلك الجزء من النهر شحيح جداً، على الرغم من قذارته في باقي الأجزاء، نظرت حولها فلم ترى إلا راعٍ نحيل يظهر البؤس على معالمه يرعى معزتين، تكادُ تظهر عظامها من شدة الجوع، فسألته أين أنا أجابها أنتي في قرية سالم.

فسألته ولماذا الأشجار كلها يابسة، والماء شحيحٌ عندكم، وأين ماعزك التي ترعى مع أن الدنيا ربيع، وهو وقت إخضرار الزرع، وتدفق مياه ذوبان الثلوج، وولادة الماعز والأغنام والأبقار.

فأجابها الراعي بحزن وألم، منذ أن رحلت عنا سيدة القرية حبة الرُمان ونحن في قحط ومجاعة، فمنذ سنوات لم يخضر زرعُنا، حتى أننا أكلنا حشائش اليابسة، ولم يجري ماءنا حتى أننا إنتظرنا دوابنا لتبول فنشرب بولها، ولم تلد حيواناتنا ونسائنا، وعم الحزن والخراب كل القرية.

وما زاد ذلك الحزن مرضٌ أصاب الأخ الصغير، عجز عنه كل الأطباء، وهو راقدٌ في سريره، لاهو ميت ولا هو حي، وقفت حبة الرُمان أمام النهر، ودعت الله قائلة، يامن عرفت أنني مظلومة وقبلت دعائي أول مرة إقبل دعائي ثاني مرة، يارب أكثر ماءهم وانبت زرعهم وخصب إناثهم، حتى لتلد إحداهن في الحال، ومن غير شهور حمل.

وما إن أنهت جملتها حتى زرء الماء في النهر، ونبت العشب الأخضر كالمعجزة، وصاح الراعي لهوى المرأة، فقد وضعت كل واحدة من معزاته ثلاث صغاراً، وامتلأت ضلوعهن حليباً، فسأل عن من تكون، وهل هي ملكٌ من السماء، فأجابته ستعرف من أنا في الوقت المناسب.

ولكن ألا تعطني شيئاً جزاء دعائي هذا، فقال لها أطلبي ماتشائين، فقالت له أريد كأس حليب لكي أشربه، وجدياً صغيراً أكله، والعباءة التي عليك ألبسها من البرد، فقال لها لكِ ماطلبتي، فشربت حبة الرُمان الحليب وذبح لها الجدي وشواه لتأكل لحمه، وطلبت منه كرش الجدي الصغير، وأخذت الفروة وذهبت.

خبأت شعرها بكرش الجدي، وغطت رأسها بالفروة، ولفت نفسها بها، ودهنت وجهها ببعض رماد الشوي، فبدت كمتسولة قبيحة قرعاء، واتجهت تمشي في القرية، التي بدأت تعلو فيها أصوات السعادة والفرح، لعودة الخير والماء، وصلت إلى بيت أهلها، ولكنه على عكس أهل القرية.

كان صامتاً، ولا يُسمع منه إلا صوت بُكاءٍ خافت، دقت الباب وفتح لها أخوها الكبير، أخفت شوقها وكبتت مشاعرها وقالت له، هل من خبزة لهذه الفقيرة، فقال لها إذهبي عني واتركيني في حالي، فقالت له ومابك حتى ترفض أن تطعم هذه المسكينة، اخبرني فقد أساعدك فقال لها ومن أنتي أيتها القرعاء القذرة، لتساعديني، لقد عجز حتى أشهر الأطباء عن مساعدتي، فأخي الصغير طريح الفراش منذ سنوات ولم يعرف دوائه، وها هو لا ميت ولا حي.

فقالت له وكيف مرض، قال كان عائداً من الغابة وداس على شيءٍ حاد ألمه بشدة ومنذ وقتها وهو غائبٌ عن وعيه، قالت له وماذا إن شفيته إليكم بإذن الله، فقال لها تطلبين ما تشائين ولو كانت كل أملاكنا وأموالنا، دخلت معه حبة الرُمان، وفجعت حين دخلت غرفة أخيها، كان إخوته السبعة وزوجاتهن يجلسن حول السرير ويبكون، أبعدتهم المتسولة عن السرير وجلست عند رجلي أخيها وقالت لهم، قبل أن أداويه، أريد أن أقص عليكم قصة، وافق الجميع على مطد، وراحت تحكي قصة فتاة أخذناها زوجات إخوتها في نزهة، وقمنا بمؤامرة شيطانية ضدها، ورحلتها المشؤمة مع أخيها، ولقاءها بأمير عالجها وتزوجها وأنجب منها وشوقها لأهلها، رغم ظلمهم، وفعلة الخادم الشنيعة معها، وقتله ولديها، وما آل إليه حالُ قريتها وأهلها من بعد ما ظلموها، فصدمت النساء من شدة الخوف، وسألنها من أنتي، وكيف عرفتي ذلك.

فأظهرت رأس الأفعى وقطعة العباءة وأذني أبنائها وقالت، والله لن أشفي هذا العليل حتى تعترفن بمؤامرتكن.

فقصت زوجة الأخ الكبير القصة كاملة، أمام الجميع تحت تهديدها زوجها لها بالسيف وقطع رأسهن واحدة واحدة.

وهنا راح الأخوة يبكون، لما فعلوه بأختهم ويطلبون من الله لقاءها ليستسمحوا منها، وليغفر الله لهم ويرضى والدهم عنهم في قبره، وطلبوا من المتسولة أن تدلهم عليها.

في تلك اللحظة، أزالت حبة الرُمان العباءة، وازالت الكرش عن رأسها وقالت ها أنا يا إخوتي ووقفت عند قدمي أخيها ودعت قائلة، اللهم كما أصبته بالمرض، فاجعل شفائه على يدي وما إن لمسته، حتى خرجت من قدمه شوكة سوداء بحجم إصبع، اتضح أنها شوكة مسمومة تعود لأحدى الحيوانات، واستيقظ الأخ على الفور، ورأي حوله أخوته وحبة الرُمان.

فاحتضنها وراح يبكي ويطلب منها السماح، أخبرتهم كل ماجرى معها بالتفصيل، وطلبت منهم أن يرافقوها لقصر زوجها أمير البلاد، حتى تروي له ما حصل لها من بعده، رافقوها إلى المدينة، بعد توعدهم لزوجاتهم بالعودة والإنتقام، ما أن ينهوا عودة أختهم إلى زوجها، ويشرحوا له ماحصل معها.

دخلت إليه مع إخوتها الثمانية، ورأته جالساً على كرسيه حزيناً وبجانبه الخادم الندل، والذي أخبره بأن زوجته هربت مع ولديه وعشيقها، وأمرت الجنود بأن يعتقلوا ذلك الخائن، وشرحت مع إخوتها كل ماحصل معها، وأرته أذني ولديها دليلاً على برائتها، طبعاً صدقها زوجُها، وأمر بإعدام الخائن.

وعادت إلى زوجها وأهلها معززة مكرمة وعوضها الله كل حرمانٍ ذاقته، وأنصف القدر حبة الرُمان، بعد أن ظلمها البشر، ونصر الله الحق على الظلم، بعد عذابٍ مرير ولسنوات، عانته شابة صغيرة تُدعى حبة الرُمان.

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات