Sign in
Download Opera News App

 

 

الإمام الطيب في الحلقة ١٢.. أحكام الشريعة الثابتة عصية علي البحث العقلي.. لكنها تلائم كونه روحا وطين

للعام الخامس، يتمتع المسلمون وينتفعون في شهر رمضان المبارك ببرنامج "الإمام الطيب" الخاص بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين.

وهذا الموضوع يتناول حلقة الثاني عشر من رمضان ١٤٤٢ه‍‍ / ٢٠٢١ م.

تمهيد:

بدأ فضيلة الإمام الأكبر حلقة اليوم، بالتذكير أنه قد فرغ في الحلقة السابقة من اثبات حقيقتين هما "ختم النبوة المحمدية" و "عمومها لسائر الناس علي امتداد المكان والزمان.

واليوم يبين الدكتور أحمد الطيب أن هذا "الامتداد" لا يتحقق إلا بمجموعة من الأحكام والتشريعات التي تشتمل علي ما ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم، وتتصف أول ما تتصف "بالقدرة علي ما يعترض حياتهم من مشكلات وعقبات وعوائق" ، و "بتقديم صيغ حياتية تواكب مستجدات حضارتهم وتطوراتها".

ظهور مسنودة:

مضيفا أنه حينما يتحدث عن شريعة الإسلام، ويذكر لها دورها العظيم في هذا الشأن، فإننا نسند ظهورنا مرة أخرى إلي أحكام التاريخ الذي يحدثنا بأن هذه الشريعة نزلت إلي أرض الواقع، وأثبتت نجاحها في مجال التطبيق، وشكلت تشريعاتها حجر الزاوية في تشييد صرح حضاري شامخ طال عنان السماء في مدى زمني قصير، يقف أمام تفسيره علماء التاريخ والحضارة المحدثون حياري مشدوهين.

الإمام الطيب قال أنه مما يضيف إلي الحيرة والدهشة أن نجاح هذه الشريعة لم يكن رهنا ببيئة جغرافية معينة، بل كما كتب لها النجاح في مهدها الأول، كتب لها النجاح وبالقدر نفسه في بيئات قصية بعيدة عنها رغم اختلاف هذه البيئات لغة وعرقا وعقيدة وتاريخا وحضارة.

ومهما رحت تبحث عن السبب، في قدرة هذه الشريعة علي قيادة مجتمعات إنسانية متباينة، فلن تجد إجابة أصدق من أنها شريعة ذات تكاليف ثابتة في مجال العبادات والأخلاق والقيم العليا الحاكمة للاجتماع والاقتصاد والسياسة. وتكاليف أخرى مرنة متحركة في كل مجال يخضع للتطور المدني، ويتغير بتغيره.

أمثلة:

فضيلة الإمام ضرب بمجال الثوابت مثلا عبادة "الصلاة" تلك التي يؤديها المسلم اليوم في عصر الفضاء والذرة، مثل ما كان يؤديها من قبل في عصر الصحراء والأبل... تكبيرا وقياما وقراءة وركوعا وسجودا وتشهدا تماما بالتمام، ومثل بمثل، وقل مثل ذلك في باقي العبادات.

ولا يقال أن الحج اليوم يختلف عن الحج أيام الأبل والدواب، لأننا نقول إن هذه الفوارق والاختلافات مهما تنوعت وتطورت فإنها مجرد وسائل مادية خارجية، لا تمس عبادة الحج الثابتة من قريب أو بعيد.

أما فيما يتعلق بمجال المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي لا تكف عن الصيرورة من وضع إلي وضع، فإنها لما كانت لا تستمر علي صورة واحدة، ولاتبقي علي نمط معين. كان من الظلم للإنسان تكليفه بما لا يطاق أن يطلب إليه مواجهة المتغيرات بأحكام ثابتة، فإنه لا يلبث إلا أن يتخلى عنها ويستبدل بها بدائل أخرى تواكب هذه المتغيرات تطورا وتجديدا.

أحكام متنوعة:

شيخ الأزهر أوضح أنه في هذا المجال المتغير تطالعنا الشريعة بأحكام كلية عامة تضبط المقاصد، ولا تتدخل في اختيار بديل من البدائل المتجددة، ما دام لا يقصد مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة.

وقد لاحظ علمائنا الاجلاء قديما وحديثا أن التكاليف الشرعية في المجالات التي تتغير فيها مصالح الناس تكاليف قليلة العدد جدا، اذا ما قورنت بالتكاليف الأخرى الواردة في مجال العبادات والأخلاق وبعض أحكام الأسرة.

كما لاحظوا أيضا أنها غير معقولة المعني أن يعجز العقل عن معرفة أسرارها ومقاصدها العليا والحكمة من تشريعها.

أما التشريعات الواردة في قسم المعاملات، فكلها معللة أي معقولة المعني والمقاصد، والعقل يدرك مغزي هذا الحكم أو ذاك، والهدف من وراء تشريعه.

لذلك، جاءت الآيات الواردة في المعاملات أقل عددا من الآيات الواردة في مجال العبادات والأخلاق. وإذا فأحكام الشريعة منها ما هو ثابت لا يتغير، وهو أكثر الأحكام عددا ، وأعصاها علي البحث العقلي والكد الذهني في طلب العلة والحكمة من تشريعها.

ومنها ما هو كلي عام مرن متحرك مع حركة التطور وقانون التغير، وأن أحكام هذا النوع أحكام قليلة العدد معقولة المعني.

طبيعة الإنسان:

ويبقي أن نقول أن هذا التنوع أو التكامل في الأحكام الشرعية التي بين ثوابت ومتغيرات إنما جاء ليحاذي طبيعة الإنسان نفسه ، بما فيها من تنوع وتكامل، فقد خلقه ﷲ من روح علوي ومن مادة طينية سفلي. وفطره علي الشعور بالانتماء إلي هذين الأصلين، ولا مفر له من تحديد موقفه منهما، وسلوكه تجاههما.

وضاف الإمام الأكبر أن فطرة ﷲ التي فطره عليها حين تبقي نقية طاهرة لم تتلوث أو تتشوه تدفعه دفعا نحو التوائم والتوازن بين مطالب أصليه، والعمل وفق مقتضيات البدن والروح معا.

ولكل ذلك، راعت شريعة الإسلام هذه الطبيعة المزدوجة للإنسان، وخاطبته بحسبانه مواطنا في عالمين مختلفين، فشرعت له أحكاما تفصيلية ثابتة تلبي مطالب الروح، وأحكاما أخرى عامة وقليلة تلبي مطالب الجسد.

---مصادر:

*يوتيوب، القناة الرسمية للأزهر الشريف، برنامج الإمام الطيب، الحلقة الثانية عشر:

https://youtu.be/yep0fmPVoP0

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات