Opera News

Opera News App

(مقال) مناوشات في عصور مضت

BassamSabry41
By BassamSabry41 | self meida writer
Published 12 days ago - 6 views

بعد أحداث ٣٠ يونيو لعام ٢٠١٣  خُضت نقاشا حاداً مع أقرب أصدقائي بل أخي الذي لم تلده أمي.

كان صديقي يميل الى التيار الديني ومشروعه السياسي ويعتقد بأهليتهم وأحقيتهم في حكم البلاد وتحويلها الى دولة دينية تطبق الشريعة وتفرض الجزية على غير المسلمين ، بينما كنت من أنصار الدولة المدنية وأدعم فصل الدين عن الدولة. 

وبرغم إختلافنا السياسي كنا نتمتع بصداقة وطيدة تمتد منذ الطفولة ورغبت دائما بالحفاظ عليها.

انتمى صديقي الى التيار الديني بعد ثورة ٢٥ يناير ومن قبلها كان شابا عاديًا يحب الحياة والمرح عاشقًا للضحك وجلسات السهر.

جائني يوما يخبرني عن قراره المفاجئ بأنه سار في ركاب التيار الديني، نصحته بالتريث والتفكير مليًا نهرني وأخبرني بأنه إتخذ القرار الصحيح بالانضمام الى قافلة الحق المبين !

تقبلته لأنه صديقي ولأنني أؤمن كإنسان بحرية الإعتقاد للجميع طالما لم تخالف الدستور والقانون ولم تتعدى على حريات الأخرين.

كان ينطفأ أمامي يومًا بعد يوم، غابت ضحكته، اختفت إبتسامته ورحلت روح الدعابة والمرح .

صارعصبيًا حاد الطباع غليظًا في قوله وفعله ،اذا شاهد حدثًا لا يعجبه انقلبت أساريره الى الضيق والشدة .

هجر معظم أصدقائنا ورفض مجالستنا في المقاهي وأماكنا المفضلة القديمة.

أصبح ناقمًا على المجتمع،لا يخلو حديثه من نقد لاذع لأحوال الناس وطرق معيشتهم وسلوكياتهم، كان يظن أن الناس في ضلال وعليهم يعودوا الى الصراط المستقيم قبل أن تقع الواقعة.

حاولت مرارًا أن أهدئ من روعه وأذكره بأننا جميعًا بشر ومن طبيعة البشر الذلل والخطأ فلا أحد معصوم من الذنوب وهكذا خُلقنا نعبد ونعصي ونتوب.

أشرت إليه أن ينظر دائما الى جانب الخير لدى البشر لا أن يتمعن في نقائصهم وذنوبهم وأن يترك حسابهم الى رب العباد.

كلما كان منفعلاً أو متوتراً في النقاش أسعى الى تغيير الدفة سريعا أو إنهاء الحوار في سلام، وبالرغم من أنه كان دائما يؤنبني على أخطائي ويهاجمني عند أي هفوة تحدث مثل نغمة هاتفي التي صدحت أمامه بأغنية لمطرب مشهور فاعتبرها جرم مشهود، الا أنني آثرت الحفاظ على صداقتنا وبرغم الفرق الشاسع بين صديق الأمس وصديق اليوم.

تغنى صديقي دائما بكلام شيخه واسترسل في ذكر محاسنه ووصفه بأعظم الصفات وأنه إمام الأمة مجدد الدين وسيد الدعاة ، نسب الفضيلة إليه وكان يفتخر بأنه يقبل يديه الطاهرتين وأنه يغرق في وجه الشيخ الوضاء المضيء أثناء صولاته وجولاته على المنبر، كان يدعو الله كثيرا أن يحشر مع شيخه في أعلى الجنان.

حاول أن يستقطبني كثيرًا بدعوتي لحضور دروس الشيخ الا أنني كنت إعتذر في أدب وأختلق الأعذار، فما يفعله صديقي من إضفاء هالة القدسية على شيخه هو نوع من الكهنوت والتبعية العمياء التي أمقتها. فمبدأي لا عبودية ولا تبعية الا لله الواحد القهار.  

وبالرغم من أن صديقي كان يتوغل مع الوقت  في طريق التشدد لم أكن أعتقد أن نهاية صداقتنا ستأتي قريباً.

   وفي يوم عصيب على صديقي بعد أيام من الإطاحة بالمعزول وجماعته وإحباط مشروعهم السياسي برغبة شعبية وإرادة وطنية.

التقيته غاضبا ومضطربا يكيل اللعنات ويتوعد الجميع بالجحيم حاولت تهدئته صاح في وجهي يتوعدني بعذاب جهنم وبئس المصير، كلماته الفجة أفقدتني توازني وإستسلمت لغضبي واخذت أتفوه بغضب ضده وضد تياره اللعين وإتهمته بالخيانة فنعتني بالكفر !

إنفرط عقد صداقتنا، تلاشت الذكريات التي كانت تربطنا أُسدل الستار وإنطفأت الأنوار.

إشتقت الى صديقي بعد أشهرعديدة، واشتد الصراع بداخلي يقبل قلبي التصالح ويرفضه عقلي .  

مرت أسابيع حتى أخذت قراري بالتصالح فأرسلت له عشرات الرسائل وبلا جدوى، وأجريت مئات المكالمات وبلا رد، طلبت وساطة أحد أصدقائنا القدامي فعاد من عنده بخفي حنين.

شعرت باليأس وصرت أتابع أخباره المتقطعة من بعيد فاذا بخبر عاجل يطير بأن صديقي غادر البلاد ولا مجال للعودة.

 حاولت أن أتناسى، انهمكت في العمل وفي الحياة وقررت الزواج ورزقني الله بطفل، أطلقت عليه إسم صديقي.


 سارت الحياة بروتينها اليومي المعتاد، وقل إختلاطي بأصدقائي وتغيبت عن جلسات الود والسهر تحت وطأة المسئولية أو ربما لأنني فقدت خليلي الروحي.

مرت أعوام تفوقت في عملي وإرتقيت أعلى درجات السلم الوظيفي في كبرى الشركات العالمية ولم أعد أفكر كيف أعيش يومي بل أفكر كيف ينقضي.

وفي يوم حافل بالعمل حضرالى مكتبي أحد زملائي يخبرني بأن هناك من ينتظرني في الإستقبال ويرفض الصعود الى مكتبي.

 توجهت الى الإستقبال ساورني شعورغريب حول الزائر، وجدتها امرأة اجنبية شقراء في العقد الثالث من عمرها تبدو من ملامحها أنها تنتمي الى غرب أوربا أو شرقها .

تقدمت بإتجاهها بادرتني بتحية الإسلام بلكنة عربية هجينة ، رددت السلام في هدوء وطلبت منها الجلوس وسألتها عن أي مشروب ترغب في تناوله، إبتسمت وقالت أنا أرغب في شيء أخر 

قولت لها ما هو ؟!

 أرغب في الحضور الى منزلك الليلة لتناول العشاء في حضور زوجتك الجميلة وولدك الصغير.

تعجبت من جرأتها، لم تعطني حق الرد حتى !

بادرت هي بالإجابة عن السؤال الذي يدور في ذهني ، وكأنها تقرأ أفكاري 

أنا زوجة صديقك ........

 أي صديق تقصدين ؟! سألتها في تعجب

إبتسمت إبتسامة ساحرة وأجابتني بصوت رقيق

صديقك الذي أطلقت إسمه على ولدك الصغير، صديقك الذي تفتقده ويفتقدك. 

سمعت من الناس عن هول الصدمة وعن ذلك الشعور الذي سيطرعليهم عندما فاجئهم القدر بمفاجأة عظيمة، ولأول مرة سيطرعلي هذا الشعور وكبلني من إخمص قدمي الى شعر رأسي.

لم أنطق بكلمة !

 لكنها تفهمت ما أعانيه وقالت سنمرعليكم الليلة ورحلت.

إنتظرت في المساء راودني شعور بالغضب منه والحنين اليه والى ذكرياتنا القديمة.

 طرحت السؤال بداخلي ووجدت له ألف إجابة وكل إجابة حاولت أن تقنعني بأنها الصحيحة .

أنقذني صوت الجرس من صراع أفكاري الذي أشعل قلبي وأحرق كبدي.

 فتحت الباب وجدته أمامي نفس الصورة التي كانت تطاردني عندما أشتاق إليه وبرغم تغير واضح في ملامحه بفعل الزمن، إلا أنني أعرفه وأحفظه جيدًا ولو تقدم بنا العمر سنوات.

 وقفت متصلبا لقد عاودني شعور الصدمة الذي زارني في الظهيرة بعد لقائي مع زوجته .

إندفع الي ليعانقني، لم أعانقه بل وقفت كتمثال حجري في متحف مهجور .

 قبل رأسي وطلب مني الصفح بعبارات رجاء وتوسل، لم أنطق، أشرت إليه بالدخول ومن خلفي زوجتي بادرها بالتحية وإختطف طفلي الصغير سريعًا من بين ذراعيها يعانقه ويلاعبه ، ودخلت زوجته من وراءه تبتسم وتحمل في يدها باقة من الزهور.

جلسنا في غرفة الصالون أتفحص ملامحه لقد إختفت ملامح العبوس والغلظة وحلت محلها ملامح السعادة والتسامح .

 يوزع الإبتسامة على الجميع ويداعب طفلي الجالس على قدميه يُضحكه ويضحك على أنغام ضحكاته في سعادة وسرور.

بدأت الأسئلة تندفع في ذهني ولا ينطق بها لساني، من أنت ؟ وكيف تغيرت؟ ولماذا عدت؟ هل مازلت تتذكر صداقتنا؟ ومن هذه الحسناء التي بجوارك ؟   

نظر في عيناي مباشرة وكأنه يستمع الى صوت عقلي .

لقد عدت إليك يا صديقي العزيز قالها والسعادة تقفز من وجهه.

أعلم أنك غاضب ومتفاجئ وربما حتى تكرهني لكني  متأكد أنك لم تنساني، سأجيبك قبل أن تسأل فأنا مدين لك بألف سؤال وألف اعتذار.

بعد خلافنا الأخير ضاقت بي الدنيا وغرقت أكثر في مستنقع التشدد، وصرت أمقت الجميع عائلتي إخوتي وأصدقائي، حتى نفسي صرت أبغضها بل أعذبها بقلة النوم والامتناع عن الطعام.

إعتقدت بأن الكل كافرالا أنا وشيخي وجماعته ومن ساروا على نفس الدرب، حتى أبي وقفت أمامه متهمًا إياه بالكفر والضلال.

أعتقدت بأننا الفئة المستضعفة والمخالفون لنا هم الفئة الباغية، أردد كل يوم بأن الجنة لنا والنار مثوى الكافرين. 

قبعت في غرفتي يحاصرني الظلام الدامس وبداخلي ظلام أشد قبحًا .

كان هناك بصيص أمل يزورني كلما غفوت عن واقعي المرير يخبرني أن أهرب وأنجو بنفسي حتى ظننت أني فقدت عقلي .

إستجمعت قواي لأنقذ نفسي وبعد عدة محاولات فاشلة إستطعت الهرب. 

سافرت الى أوربا أخذت ألملم شتات نفسي وأعيد صياغة حياتي من جديد, إستغرقت وقتا طويلا لأعيد التفكير في تلك المرحلة السوداوية في حياتي.

نعم أعترف، لقد أجرمت عندما إختزلت الحق في جانب جماعتي وأخرجت المخالفين لنا من حظيرة الإيمان .

 أجرمت عندما سلمت عقلي لبشر مثلي ودنت له بالطاعة العمياء وإستسلمت للكلام المعسول والخطب الرنانة.

 أجرمت عندما طننت أني جندي في معركة مقدسة ضد أعداء الدين، كانت خدعة قذرة كانوا يتلاعبون بنا ، وأدركت بعد ذلك أن المعركة لأجل السلطة.

 أجرمت عندما تطاولت على الله واعتقدت بأنني وجماعتي في الجنة وأسقطت الأخرين في الجحيم. أجرمت حين خرجت من رحاب الوسطية الى كهف التشدد.

ما حدث بعد ذلك عجيب !

لكني غرقت صدفةً في الحب، تخيل أني أحببت امرأة كنت يومًا أؤمن بأنها كافرة وأن الكفار لا يستحقون الحياة .

 الحب طرحني أرضًا ، حررني من مرضي اللعين ، وعلمني معنى الحياة.

لم أتخيل يومًا أن أقع في غرام امرأة تختلف عني في ديني وثقافتي وعرقي، لكنه الحب أذاب كل القيود وأزال كل الحدود.

تنهد صديقي وهو ينظر في عين زوجته ويضغط بيده على يداها ووجهه يشع حبًا وغراماً .

 عدت يا صديقي، أكمل حديثه وهو ينظر إلي، 

عدت حراً ونقياً بعد أن أستعدت عقلي ورشدي وأمتلكت زمام قلبي .

عدت إلى الله أرجوه أن يسامحني ويصفح عني ويتقبلني من جديد.

 تالله يا صديقي أقسم على كلامه وهو ينظر إلي، لم أنساك يومًا ، كاد قلبي أن ينفطر شوقًا إلى صداقتنا، لكني لم أستطيع.

 وكيف أعود؟! كنت خجِلا ونادماً على ما إقترفته في حقك وفي حق صداقتنا .

حتى شجعتني زوجتي العزيزة أن أتيك لأطلب الصفح منك.

لقد تصالحت مع الله وتصالحت مع نفسي ،و قبلت أقدام أبي قبل وفاته، وإعتذرت لعائلتي وإخوتي، ولم يبقى سواك.

هنا إنتهت كلمات صديقي ودموعه لم تتوقف.

 لم أشعر بنفسي الا بأني أضمه بين ذراعي وقلبي  يتراقص بداخلي فرِحاً .

وأخذت أردد أنا أسامحك والله أسامحك .

لقد عاد النور الى حياة صديقي من جديد .

Content created and supplied by: BassamSabry41 (via Opera News )

Opera News is a free to use platform and the views and opinions expressed herein are solely those of the author and do not represent, reflect or express the views of Opera News. Any/all written content and images displayed are provided by the blogger/author, appear herein as submitted by the blogger/author and are unedited by Opera News. Opera News does not consent to nor does it condone the posting of any content that violates the rights (including the copyrights) of any third party, nor content that may malign, inter alia, any religion, ethnic group, organization, gender, company, or individual. Opera News furthermore does not condone the use of our platform for the purposes encouraging/endorsing hate speech, violation of human rights and/or utterances of a defamatory nature. If the content contained herein violates any of your rights, including those of copyright, and/or violates any the above mentioned factors, you are requested to immediately notify us using via the following email address operanews-external(at)opera.com and/or report the article using the available reporting functionality built into our Platform

قد يعجبك

"استر يا رب" طبيب متهم بخطف أطفال وارتكاب أعمال غير أخلاقية

15 minutes ago

1 🔥

«بعضي ميت وبعضي حي».. أول تعليق مؤثر من الدكتور مبروك عطيه على العملية الجراحيه التي أجراها

16 minutes ago

7 🔥

«بعضي ميت وبعضي حي».. أول تعليق مؤثر من الدكتور مبروك عطيه على العملية الجراحيه التي أجراها

من هو الإخواني البكاتوشي الذي ظهر في مسلسل الاختيار؟ خطط لاغتيال السيسي ومات بهذه الطريقة

19 minutes ago

22 🔥

من هو الإخواني البكاتوشي الذي ظهر في مسلسل الاختيار؟ خطط لاغتيال السيسي ومات بهذه الطريقة

كيف يتم تحديد النسبة الحلال للربح في التجارة؟ رد دار الإفتاء

20 minutes ago

6 🔥

كيف يتم تحديد النسبة الحلال للربح في التجارة؟ رد دار الإفتاء

هل يجوز الصيام على جنابة؟.. دار الإفتاء تجيب

20 minutes ago

10 🔥

هل يجوز الصيام على جنابة؟.. دار الإفتاء تجيب

محمود جامع.. قريب السادات وصديق الشعراوي.. تاريخ استثنائي لعلاقة الطبيب بالشيخ وبالرئيس

24 minutes ago

9 🔥

محمود جامع.. قريب السادات وصديق الشعراوي.. تاريخ استثنائي لعلاقة الطبيب بالشيخ وبالرئيس

أول تعليق من الدكتور مبروك عطية بعد عملية البتر "قطعة مني سبقتني للقبر"

28 minutes ago

5 🔥

أول تعليق من الدكتور مبروك عطية بعد عملية البتر

حكاية أقدم «محكمة بشرية» في مصر.. وصل الدماء إلى أعلى أقدام الخيل وما زال متجمدًا حتى الآن

28 minutes ago

15 🔥

حكاية أقدم «محكمة بشرية» في مصر.. وصل الدماء إلى أعلى أقدام الخيل وما زال متجمدًا حتى الآن

هل أحاديث النبي عن الجيش المصري ومدحه صحيحة؟.. الافتاء تحسم الجدل

30 minutes ago

50 🔥

هل أحاديث النبي عن الجيش المصري ومدحه صحيحة؟.. الافتاء تحسم الجدل

هل تعرف ما الأمر الذي حرمه الرسول الكريم على نفسه ولم يحرمه الله؟ وما السبب في ذلك؟

30 minutes ago

5 🔥

هل تعرف ما الأمر الذي حرمه الرسول الكريم على نفسه ولم يحرمه الله؟ وما السبب في ذلك؟

تعليقات