Sign in
Download Opera News App

 

 

قصة| أليفة ووعد والدها لسيدُ العّين وماذا حدث معها من العجائب

في قديم الزمان وفي قرية جميلة من قُرى مصر الشهباء، كان هُناك رجلٌ يُدعى سليم، كريم الخُلق لطيف المعشر، عادل صادق وأمين،

وكان الله قد أعطاه من الخير والمال والأملاك ماجعل أهل القرية يحبونه ويقدرونه، ويعينونه كبيراً عليهم.

كان سليم ذو خُلق ومال وجمال، واثنتاعشر من الزوجات الجميلات الحسناوات، ولكن كعادة الأحوال فلا تكتمل السعادة لأحد، فقد كان سليم عقيماً لا يُنجِب.

وقد رزقهُ الله المال من زينة الحياة الدُنيا، وحرمهُ الزينة الأخرى، وكان هذا الأمر يُحزنه كثيراً، وفي يومٍ من الأيام جلس سليم أمام أحد منازله، يتأمل لجمال الأرض الخضراء والسماء الزرقاء، وإذا به يرى طيراً على شجرة، يُطعم صغارهُ في العُش، ثم نظر أمامه ليرى دجاجة من دجاجاته تمشي وورائها فراخُها الصغار، وراح يتأمل فهُن نعجة تُرضع حملها، وهُناك بقرة ترعى مع عجلِها، وفي مكان آخر فرسٌ مع مُهرِها، وأطفال القرية يلعبون وتتعالى ضحكاتهم، أينما نظر كانت الكائنات كُلُها سعيدة تحمي وترعى صغارها إلا هو.

رغم كل مايملك لم يستطع أن يكون له صغير أو صغيرة، تُفرِحُه وتؤنس قلبه، اغرورقت عيناهُ من الدمع، وخرج من المنزل هائماً على وجهه، حتى لايراهُ أحدٍ يبكي، لم يُكن يعلم إلى أين يتجه، ترك قدميه تقودانه حيثُ تُريدان، لم يشعُر بنفسه إلا واقفاً أمام عين الماء في الغابة التي على الجبل المجاور لقريتهم.

جلس أمام العين وراح يبكي ويبكي، ويصرُخ بحُرقة وفجأةً اهتزت الأرض تحته هزة وكأن زلزالاً عنيفاً أصاب الدُنيا، أراد الوقوف ولكنه وقع أرضاً، من هول الهزة وما رأى، اشقت عين الماء التي أمامه من المنتصف، وراح يغور ماؤها حتى فرغت.

وظهر من الشق رجُلٌ مُسِن، كان شيخاً كبيراً، بشعر أبيض، ولحية بيضاء طويلة حتى خصره، وحاجبين عريضين وطويلين، يكادان يُغطيان عينيه، وكان وجهه ابيض محمر، ويرتدي ثوباً أزرقاً فاتحاً، نظر إليه سليم بخوف ممزوج بفضول، ومازاد فضوله عندما رأى أن عيني ذلك المسن كانتا مشقوقتين بالطول، ولونهم ازرق صافي، بلا بياض ولا سواد، تهيء سليم للهروب.

ولكن صوت الشيخ أوقفه قائلاً، توقف يا فلان لا تهرُب، تجمد سليم في مكانه، وتجمد الدم في عروقه، من أين عرف الرجل اسمه.

أنا سيد هذه العين يا سليم وقد سمعت صوت بكائك ورغبتك الشديدة بإنجاب طفل من صلبك، وسأساعدك لأنني أعرف أنك رجُل خلوق وكريم وطيب.

قال يا سليم وكيف عرفت بأني رجُل طيب وكيف ستُساعدني، قاطعه الرجل قائلاً يا ابني أنا سيدُ العين، والمياه التي زرعها وكل نسمة هواء وكل قطرة ماء وكل ورقة شجر حولك تحدثني، وتخبرني عن أحوال الناس، وأما كيف سأساعدك أرج الرجل من كم ثوبه الأزرق تفاحة نضرة شديدة اللمعان والصُفرة حتى ليظُن الرأي أنها مصنوعة من الذهب، خذ هذه تفاحة زينة الحياة سليم، يكفي أن تأكل منها، وتطعم كل زوجة من زوجاتك قضمة منها وأما مايزيدُ منها، فاقسمها قسمين، ادفن أول قسم في أرضٍ من أراضيك وأخلط القسم الآخر بعلف دوابك، وعندها ستتمتع بكل مافي هذه الحياة من زينة، مال وبنون ورزق وبركة، في كل ما يأتيك، اقترب سليم من ضفة العين بلهفة، ليلتقط التفاحة من الرجل، ولكن الرجل امسكها وأكمل كلامه، ولكن عندي شرط واحد، فقال سليم أشرط أي شيء أعطيك ما تُريد، حتى روحي أعطيك إياها، بعد أن أرى ولداً من صُلبي، قال لهُ الرجُل لا أريد روحك ولكن سيولد لك الكثير من الأولاد والبنات والشرط هو أن تعطيني أول بنت تُرزق بها، فأنا كما ترى شيخٌ كبير وأعيشُ وحدي في قصري، لا أحد يؤنسني، ولا يقوم بخدمتي، وأعدُك أنني سأعتبرها كإبنتي، فكر سليم كثيراً ولشدة أساه حدثته نفسه قائلة، وما الضرر هي بنت واحدة، وماهي إلا واحدة أامام عشرات الأولاد الذين سيحملون اسمي، ويحققون حُلمي، وافق سليم وأخذ التُفاحة، وانطلق إلى القرية مُسرِعاً.

نفذ سليم ما أملاه عليه سيدُ العين، وفعلاً وبعد مرور فترة بشرته نسائه كُلهُن بحملِهِن، وحتى دوابه كلهن حملوا للمرة الثانية تلك السنة، وأما الأشجار فقد ثقُلت بالثمار والأرض إمتلأت بالخيرات، ولاحظ دوابه تلد الواحدة تلو الأخرى، وولدت زوجاته، وفي سنة واحدة رزق سليم بإحدى عشر ولداً، ومئات الدواب، حتى بلغ عدد ماولد له من أولاد ودواب مايزيدُ عن الألف، وبقت فقط زوجته الصغرى، فقد كانت حاملاً بشهرها الأخير، ورزقت بمولودة أنثى، أسماها أبوها أليفة، أي الوحيدة بين ألوف.

فرح سليم بأليفة أشد الفرح، فكانت أنيسة قلبه وحنونته، ولشدة سعادته نسي الشيخ سيدُ العين، ووعده للشيخ، فقد أنساه أولاده وأرزاقه أي شيء آخر، ومرت السنوات، والزوجات ينجبن الولد تلو الآخر.

ولم تلد ولا واحدة منهن بنتاً، فكانت أليفة وحيدتُه، إبنة التاسعة شديدة الجمال والذكاء والأدب، بالرغم من صغر سنها، وفي تلك السنة قرر أبوها إرسالها لتتعلم أسس الكتابة والقراءة والحساب.

وكان ذلك ممنوعاً على البنات، ولكن وحيدة قلبه أليفة لم تكُن كباقي البنات، وفي يومٍ من الأيام خرجت أليفة من حلقة العلم متجهة للمنزل، وإذا بشيخٍ مُسِن يقف أمام ظهر المُعلم، صاح لها الشيخ بالأسم أليفة أليفة تعالي يا إبنتي.

تفاجئت أليفة من هذا الغريب، كيف يعرف اسمها اتجهت إليه بخجل وقالت له، ماذا تُريد ياجدي، أجابها سلمي لي على أبيكي يا إبنتي وأرشديه، أليفة يا ألف ألوف سلمي لي على أبوكي الزين، قولي له ياسليم وعد الحُر عليه دَين.

مشي الشيخ ببطئ وأليفة تنظر إليه بغرابة، فهي لم تفهم شيء، وعادت إلى المنزل، وعندما رأت أمها واخوتها ينتظرونها على الطعام حتى نسيت الشيخ وشعره الغريب.

في اليوم التالي تكرر نفس الموقف، أوقفها الشيخ واستفسر عن والدها، ولكنها اعتذرت منه واخبرته بأنها نسيت إيصال الرسالة لأبيها، فأنشدها بيت آخر قال فيه، يا سليم أدي الأمانة أعطني حقي يا سليم، أليفة رزقي الحلال.

ونفس المرة االأولى نسيت الفتاة ايصال الرسالة لأبيها سليم، وفي اليوم الثالث، جاء الرجُل غاضباً وقال لها، ماذا قال لكِ أبوكي، فأخبرته أنها نسيت وهُن قال لها حسناً، سأعطيكِ هذه التفاحة الصفراء أعطيها لأبيكي وأخبريه، سيد العين، ينتظرك بعلامة هي التُفاحة.

وصلت أليفة إلى المنزل، وراحت تبحث عن أبيها، وكأن كلام الشيخ السهل سهَل عليها المُهِمة.

وما إن لمحت سليم في بيت خالتها الكبيرة، حتى فتح يديه ليستقبلها في حضنه، فركضت إليه وضمته وهمست بأذنه، يا أبي سيد العين ينتظرك بعلامة هي التفاحة، وأخرجت التُفاحة من جيبها.

جحظت عينا سليم ووقع على ركبته، ولم يعُد قادراً على النُطق بحرفٍ واحد، وكأن صاعقة أصابته، هرعت إليه زوجاته وأولاده وأجلسوه في مجلسه، وراحت زوجته، تستفسر منها عن حاله، هل هو مريض أو متعب، إنفجر سليم بالبُكاء، وراح يهذي ويقول إنخرب بيتي يا إمراءة، خافت زوجته، وسألته عن سبب حزنه، فقص عليها القصة التي حدثت منذ عشر سنوات، والوعد الذي وعده لسيد العين، وأن السيد يريد أمانته التي هي إبنته الوحيدة الغالية.

ولكن الزوجة قالت له بأنه لا يستطيع التملُص من وعده، وأنها تخاف إن هو أخلف وعده بأن ينتقم الشيخ، فيضر باقي أبناءه.

وكان سهل عليها القول بتنفيذ الوعد، فالفتاة إن كانت غالية عليها فهي ليست إبنتها، وأبنائها أهم من كل شيء عندها، رضخ سليم للأمر الواقع، فلا مفر من وعده، قال لأليفة يا ابنتي إذهبي إلى أمك فتحممك وتهيأ لكي لباساً آخر أيضاً، سأخذك إلى قرية عمتك غداً لتزوريها عدة أيام، فرحت الفتاة الصغيرة، وطلبت من أمها تهيئتها غير عارفة بمصيرها، في صباح ذلك اليوم كانت أليفة بفستانها الزهري وجدائل شعرها الأسود وحذائها الأبيض كقمر، وكانت شديدة السعادة وما إن رأت أبوها حتى ودعت أمها بقبلة، وحملت حقيبة لباسها وخرجت إليه، ركب الأثنان حصان أبيها، وسار يمشي الحصان في الغابة، حتى وصل إلى العين، نزل الأب وأنزل الصغيرة التي كانت مستغربة تسأله، هذا ليس بيت عمتي يا أبي، أخبرها أبوها وهو يبكي يا إبنتي أنا سأعطيكي للشيخ الذي رأيتيه وهذا وعد قطعته على نفسي، نظرت إليه الصغيرة ومسحت دموعها، ولأنها طفلة ذكية قالت لأبيها، لاتخف عليا يا أبي، سأكون بخير، اهتزت الأرض وأنشقت العين وظهر سيدُها، ارتعبت الطفلة، من شكله، فقد اختلفت عيناه وملابسُه عن شكله عندما كان ينتظرها أمام دار المعلم.

وزاد خوفها عندما أمسك بيدها بقوة، وقال لأبيها لاتخف إنها في الحفظ، حمل الرجل أليفة على ظهره وسط بكاء الأب وبكاء الطفلة وقال له هيا اذهب حتى لا تؤلم فؤاد الصغيرة، وقال لها تمسكي جيداً يا إبنتي ونزلت تحت العين وأغلقت الأرض ثانيةً، سار سيدُ العين يطيرُ إلى الأسفل بسرعة كبيرة، وأخبر أليفة بعد فترة من طيرانه، أنظري إلى أعلى يا إبنتي كم حجم الأرض فوقكي فقالت له هي بحجم طاولة الطعام المستديرة في بيتنا، فقال الرجل، إذاً لم نصل بعد، طار الرجل وطار وطار وسألها والآن يا إبنتي قالت له هي بحجم رغيف لخبز الذي تصنعه أمي، فقال إذاً لم نصل بعد، وعاد الشيخ إلى الطيران بسرعة وسألها والآن يا إبنتي قالت أصبحت بحجم البيضة التي تضعها دجاجتنا، فقال لها إذاً وصلنا الآن.

حط السيدُ رحاله على أرض غريبة، لاتشبه قرية أليفة التي مرت سنين وهي على ظهر سيد العين، فهي قد أصبحت شابة شديدة الجمال في العشرينات من عمرها، وكأن الزمن في عالم السيد يختلفُ عن الزمن على أرض مصر.

وقف السيدُ وأليفة أمام قصر كبير وموحش أكبر من قرية أليفة كاملة، تحيط به الأشواك والأشجار اليابسة، وقال لها تفضلي يا إبنتي هذا بيتك الجديد، دخلت أليفة وإذا بالقصر أمام عينيها مليء بأثاث وستائر جميلة، راحت تتأمل بإعجابٍ شديد القصر، فقطع ذهولها السيد المُسِن قائلاً يا إبنتي أنتي ملكة هذا القصر، وكل القصر في خدمتكِ ستجدين في الأعلى واحد وعشرون غرفة، عشرون منها تحتوي على كل ماتحتاجينه من طعام وشراب وتسالي ولباس وأحذية وزينة، وأما الغرفة الواحدة والعشرون فهي غرفتي ومحرماً عليكي دخولها، والويل ثم الويل لكِ إذا أنتي دخلتِها، أما أنا فأنام شهور الصيف والربيع، وأستيقظ في شهور الشتاء والخريف، وكما تعلمين فنحنُ في بداية أيلول وحان وقت نومي يا بنتي، إعتبري نفسكِ في منزلكِ وسأراكِ في بداية الربيع، ذهب الشيخ وبقيت الشابة وحدها، فقررت إكتشاف القصر، دخلت الغرفة الأولى فكانت كجنة أطعمة كل ماتشتهيه النفس من طعام لحوم ودجاج وخضر مسلوقة ومقلية ومشوية وأرز وحنطة ولبن وجبن وبيض وخبز ساخن وكل مالذ وطاب، تناولت أليفة الطعام حتى أحست بالتخمة، ووضعت رأسها ونامت من شدة التعب.

استيقظت بعد فترة وخرجت من الغرفة، لتدخل التي تليها وإذا بها مليئة بالحلويات من كل الأشكال والألوان وبعدها غرفة مليئة بالفاكهة، وبعدها غرفة مليئة بأنهار من ما لذ وطاب من أشربة وعصير وحليب وعسل ولباس وأحذية ومجوهرات وزينة للوجه وللشعر، وألعاب ودُمى وحيوانات أليفة، والكثير كل ماتشتهي الأنفس.

وفي الغرفة العشرين رأت عيني ماء واحدة من الذهب والأخرى من الفضة، سارت تغتسل بعين الفضة فأصبح لون وجهها أبيض مثل الثلج ويلمع بشدة كالفضة، وتغسل شعرها بعين الذهب فتحول من الأسود للأشقر، بقيت أليفة على هذا الحال تتنقل بين الغرف، تأكل وتشرب وتتزين وتتسلى بالألعاب والحيوانات الجميلة، ولكن الملل بدأ يتسلل إليها.

والفضول القاتل أعماها فخرجت يوماً من إحدى غرفها، لتقف عند باب الغرفة المُحرمة، كان باباً خشبياً أسود ضخماً، وقفت أمامه والفضول يأكلها تُريد أن تعرف هل السيد فعلاً نائم، ولماذا حرم عليها الغُرفة.

هل يُعقل أن يكون مافيها أفضل وأجمل من باقي الغُرف أسئلة كثيرة دفعتها لتفتح الباب، غير أبيها وتهديد السيد ووعيده، غرفة خالية تماماً إلا من سُلم طويل على جدارها المُقابل للباب مسودة بالظلام الدامس.

ورائحة الغبار والعفن، دخل الضوء من الخارج إلى الغرفة نظرت أليفة حولها، أين السيد ليس نائماً في الغرفة، لابُد أنه السلم أكيد إنهُ يقود لمكان آخر، صعدت أليفة على السلم الخشبي درجة درجة لا تعرف ما ينتظرها في الآعلى، وصل بها السلم إلى أرض واسعة مليئة بـ ، .. يا إلهي إنها قبور عشرات بل مئات من القبور خافت أليفة خوفاً شديداً، ولكن الخوف لم يكُن كافياً ليردعها وضعت قدمها على أرض المقبرة، وراحت تمشي بهدوء، تفاجئت ببعض القبور مفتوحة وخالية، فجأةً سمعت صوتاً غريباً، إلتفتت لترى ماهو وهي مختبئة وراء شجرة إحدى القبور، توقف قلبها وجمد الدم في عروقها، من هول المنظر الذي رأته، كان السيد عارياً تماماً منحني الظهر يقف على أربعة كحيوان ويُصدِر أصوات زمجرة مرعبة، وماهذا يا إلهي إنها يد أدمي في فمه وهو ينهشها بوحشية، ارتعبت الفتاة وصرخت صرخة لفتت نظر سيد العين إليها، نظر إليها بعينين لامعتين، وراح يركُض بإتجاهها وهي تركُض إلى السُلم، نزلت عنه بسرعة واوقعته أرضاً على أمل أن يؤخر ذلك نزول الوحش إليها، ركضت في أنحاء القصر، إلى مدخله حتى وصلت للباب وراحت تدفعهُ بقوة، ليُفتح سارت تسمع صوت الجرس للسيد في الطابق العلوي، وبكل ما أعطيت من قوة دفعت الباب وخرجت، وسارت تركُض في المجهول.

تركُض وتركُض بين أشجار وصخور ضخمة، والوحش السيد يلاحقها، يا إلهي لم تعلم إلى أين ولمن تلجأ، وفجأةً لم تعُد تسمع صوته، فجلست وأسندت ظهرها إلى الصخرة، وراحت تنظر حولها إلى هذا العالم الغريب، وسارت تبكي وتندُبُ حظها وتلوم أباها على فعلته،ومن شدة تعبها غرقت في نومٍ عميق.

وبعد نومٍ طويل استيقظت على صوت كائنات غريبة، تسمعها أول مرة، تتبعت الصوت فرأت نفسها أمام قصر مُغطى بالسواد، وتعلوه رايات سوداء، وكانت الأصوات تأتي من حظيرة ذلك القصر، دخلت الشابة الخائفة الجائعة إلى الحظيرة، ورأت حيوانات غريبة، تشبه قليلاً ماكان في قريتها، كانت طيوراً كبيرة الحجم كحجم النجع، وكانت الخيول برأسين وست أرجل، الوانها زرقاء وخضراء، كانت الأبقار ضخمة جداً وأثدائهُن الكبيرة تسيل سائلاً ذهبي اللون، ولشدة جوع الفتاة قربت فمها من ثدي إحدى البقرات بنية الشُرب، وعندما لم تبدي البقرة أي ردة فعل، راحت الفتاة تشرب وتشرب، كان السائل حلواً كالعسل وفيه قليل من الحموضة، شربت حتى ارتوت ولكن فجأة دخلت إلى الحظيرة إمراءة ضخمة سوداء البشرة، طويلة الجسم بأنف أفطس كبير، وعينين صفراوتين وشفاه غليظة، وكانت تتشح بالسواد من رأسها لقدميها صرخت بصوتٍ عالٍ كأنه دُق طبل وقالت من أنتي مالذي جاء بكِ إلى هُنا، أمسكت بيد الشابة التي كانت كالطفلة أمامها، أمسكتها بقوة وجرتها ورائها إلى القصر.

كانت الشابة خائفة مذعورة تنظر حولها، وتبكي تارةً وتتوسلها تارةً أخرى، كان كل شيء في القصر متشحاً بالسواد الأرض بساطُها أسود الأثاث أسود والستائر لباس الخدم لباس النُبلاء أدوات المائدة كُل شيء أسود.

الوجوه كالحة هزيلة، الجو كئيب وكانت كل مامرت من أمام الخدم القو التحية خائفين على المرأة الضخمة، وصلت المرأة وأليفة إلى غرفة كبيرة واسعة، وكان فيها رجُل وقور جميل الهيئة، يجلس على كُرسي مُرصع بجواهر سوداء، كان يبدو عليه الحُزن الشديد، ودار الحوار بينهُ وبين المرأة كالتالي، العفو سموك اعتذر لإزعاجك ولكنني رأيتُ هذه السارقة في الإسطبل، وكانت تسرق حليب البقر لتشربه، يبدو انها من الإنس يا مولاي، وكيف وصلت إنسية إلى هنا يا كبيرة الخدم، لا أدري يا سيدي، فأنا لم أستجوبها، وأحضرتها إليك سريعاً، وأظُن يا سيدي أنها وراء مصيبتنا، أسكتها الملك بإشارة منه، وكأنه لم يُرِد أن يسمع بإسم المُصيبة، كل هذا وأليفة في خوفٍ وذهول، فنبهها صوتُ الملك، من أنتي يا فتاة ومن أحضركِ إلى عالمنا، نظرت إليه أليفة وتلعثمت بكلماتها، ثم ما لبثت أن استجمعت قواها وقالت يا سيدي أنا أليفة من مدينة مصر ولا أدري كيف وصلت إلى هذا العالم، وأقسم أنني لا أريد بكم الأذى، ولا دخل لي بأي مُصيبة، قالتها وهي تنظر لكبيرة الخدم التي امتعضت من كلماتها، أنا لا أريد منكم شيئاً سوى المأوى وطعاماً أسد به رمقي ومستعدة أن أكن لكم خادمة مطيعة، فقال الملك حسناً يا إبنتي يمكنك البقاء ولكن بشرط، أن تلبسي الأسود مثل الجميع، فأشار إلى كبيرة الخدم لكي تُكرِمها، خاطبت المرأة أليفة بعصبية هيّ إمشي أمامي وإياكي أن لا تُطيعي الكلام، أنا هُنا الكُل بالكُل، وكلامي بعد كلام ملكي، مهما كانت طلباتي ستقولين لي أمرك يا ست الكُل، ألبست بعض الخادمات أليفة ثياباً سوداء وأرينها واجباتها في المطبخ، وهناك قابلت صديقة شابة كانت تعمل هي وأمها في المطبخ، كانت الفتاتان تستغلان الفرصة لتتهامسا وتضحكا ولكن ما إن تدخل الكبيرة حتى يعُم الصمت خوفاً، وبعد عدة أيام سألت أليفة صديقتها عن سر حزن سكان هذا القصر واتشاحهم بالأسود، وأين ملكة القصر والأمراء، لماذا لم ترى أحداً منهم، فأجابتها صديقتُها بأن أمير هذا القصر الوحيد إبن الملك كان شاباً شديد الوسامة، ورجيح العقل وقرر والداه أن يزوجاه ليفرحا به، وبدأوا بالتخطيط للتقدم لأبنة أحد الملوك ولكن صباح يوم الخطبة إختفى الأمير من القصر، قلب والده المملكة رأساً على عقب ولكنه لم يجده، ومرضت أمه لفراقه وماتت حُزناً على ولدها الوحيد، ومنذ شهور والحُزن مخيم على حياتنا، حُزناً على أمير مفقود وحُزناً على أب مفجوع وحُزن على ملكة ماتت قهراً.

قاطع حديث الفتاتين صُراخ الكبيرة وعتابها لهم لإنشغالهن عن العمل، عاشت أليفة في القصر كخادمة ولكن خوفها من معرفة السيد مكانها لم يفارقها، وعلى الرغم من هذا الرعب الذي كان يسكنها، وجهلها بأي أرض ومع أي ناس هي، إلا أن ذلك لم يمنعها من ملاحظة شيء غريب، فالكبيرة كانت كل صباح تجمع خبزاً يابساً، وماء سلق البطاطا والبيض المالح وبقايا اللحم المتعفن، وترميهم خارج النافذة، ولم يكن أحد يتجرأ بسؤالها عن السبب، والشيء الآخر أنها كانت دائماً تصر على تحضير عشاء أهل القصر كلهم من خدم وأسياد لوحدها دون أن تسمح لأحد بدخول المطبخ معها، على الرغم من أنها لم تكن تقم بأي عمل سوى الأوامر والتوبيخ والصراخ طوال اليوم، ولم تشارك بإعداد أي شيء، فلماذا تأخذ مسؤولية المطبخ فقط وقت العشاء، كان كل الخدم والعبيد والجواري يخافون أن يطرحوا ذلك التساؤل على الرغم من مروره بخواطرهم.

وفي ليلة من الليالي قررت أليفة أن لاتتناول العشاء فرمته كله أمام حيوان أليف يتجول في القصر لم تعرف ماهيته، حتى ولا هو هر أو كلب أو طائر، أنهى الكل عشائهم وبدأوا بالتتاؤب واتجهوا لمقصورة نومهم، ولم تمر ثوانٍ حتى غطى الجميع بنوم عميق إلا أليفة، التي تظاهرت بالنوم فقط.

لم تمضي دقائق حتى دخلت الكبيرة مقصورة الخادمات وكانت تمر على كل سرير على حدى، وكأنها تتأكد من نومهم، وعندما وصلت لسرير أليفة إذا بها تحمل دبوساً وخزت به قدم الشابة التي كتمت صرخة ألمها لتظنها الكبيرة نائمة مثل الباقي، وما أن تأكدت من نوم الجميع حتى خرجت من القصر، في الظلام الدامس.

لاحقت بها الفتاة الفضولية خلسةً وإذا بها تتجه إلى نافذة المطبخ من الخارج لتحمل الطعام العفن والماء المالح الأسن وتتجه نحو غارة كبيرة، إستمرت أليفة بملاحقتها لتراها تدخل إلى كهف مغطى بأشجار كثيفة، وما إن دخلت حتى على الصراخ والأنين، طلباً للرحمة والنجدة، كان صوتاً ذكورياً مُتعباً، اختبأت أليفة خارج الكهف وانتظرت الكبيرة لتخرُج وسارت تمشي ورائها لتضع علامات تميز بها الطريق، حتى تعود وتتأكد من هوية الشخص في الكهف، خرجت الكبيرة وكانت سلة الطعام في يدها فارغة، لاحقتها أليفة بخفة، ودخلت ورائها إلى القصر، واتجهت مباشرةً إلى سريرها حتى لاتشعر الكبيرة بإختفائها.

وفي صباح اليوم التالي، إدعت أليفة أنها مريضة وراحت تبكي ويعلو صُراخها وأنينها، نادت بعض الخادمات للكبيرة التي مرت عليها الحيلة، فقالت لها حسناً اليوم إجازة، ابقي في سريركِ، ولكن غداً ستعملين لو كنتي تحتضرين، فرحت أليفة وانتظرتهن حتى يتجهن لأعمالهن الكثيرة وينشغلن عنها، ولمعرفتها بإستحالة عودتهن إلى المقصورة قبل وقت العشاء، خرجت من نافذة المقصورة خلسةً، وراحت تبحث عن العلامات التي حفظتها، وتتبعتها إلى أن وصلت إلى الكهف، أزالت الأغصان التي كانت تغطي مدخل الكهف، ودخلت لتشاهد منظراً يحطم القلب، لقد كان شاباً نحيلاً لباسه ممزق ووجهه مغطى بجروح وكدمات ودماء متخثرة، كان مقيد اليدين والقدمين، اقتربت منه فشعر بوجودها، ونادى لاشعورياً الرحمة ياكبيرة ولكنه لم يرى سيق الغولة بل رأى شابة جميلة، وراح يترجاها ان تسقيه ماءاً، سكبت بعض الماء من قارورة كانت تحملها، وراحت تسأله من أنت ولم هذا حالك، أنا الأمير أمير القصر، وإبن ملك الجان الأزرق، وقد حاولت خادمة أبي هذه أن تجبرني على الزواج منها، لتصبح ملكة، وعندما رفضت ونهرتها خطفتني ليلة خطبتي وراحت تضع عُشبة منومة لسكان القصر، حتى تستطيع القدوم إلي كل ليلة، دون أن تنكشف جريمتها، وقد وعدتني أن لا أرى الحرية وضوء الشمس حتى أتخذها زوجةً لي، وأنا هُنا منذ شهور، أرجوكي أنقذيني، أخبري أمي وأبي بحالي، صدمت أليفة وحزنت لحال الشاب، ولكنها خافت من أن لايُصدقها أحد أو تشعُر بها الكبيرة، وعندها ستقتلها دون أي تفكير، وهنا خطر في بالها فكرة ذكية، طلبت من الأمير قطعة من لباسٍ ممزق وعلامة يعرفهُ بها أبوه، أخذت أخرقة وخرجت مسرعة وأعادت مخرج الكهف إلى حاله.

أسرعت بالخُطى لتصل إلى القصر وهيّ مُرتعِدة من فكرة إكتشاف كذبتها، ولكن الحمدلله كان الوضع في المقصورة، كما تركتها، دخلت فراشها بسرعة، في صباح اليوم التالي أيقظتهم الكبيرة ليقُمنا بعملهم اليومي، وتفاجئت بأليفة تطلب منها السماح لمقابلة الملك، غضبت منها الكبيرة، وراحت تستفسر منها عن السبب، تارةً وتسخر منها تارةً أخرى، فقالت لها أليفة كما تعرفين أنا إنسية وقد إشتقت لأهلي وأرغب بزيارتهم وسأهديكي بالأقراط الذهبية إذا وافقتي، ولو قابلت الملك لكِ عقد أجمل من القرطين حتى، إنبهرت الكبيرة بالقرطين ووافقت حالاً، واتجهت إلى غرفة الملك، تنشدهُ طلب أليفة مُقابلته، وافق الملك وذهبت أليفة إليه، سألها الملك عن حاجتها فأخبرته أنها ترغبُ في الحديث معه على إنفراد، وافق الملك وأخرج الجميع من حرس ونُبلاء وسألها ماحاجتك يا إبنتي، إقتربت منه وهمست قائلة سيدي أنا أعلم مكان ابنك وقد ارسل معي هذه الخرقة من لباسه وبعلامة الحصان العربي الذي أحضرته له من جواد الإنس، استبشر الملك واراد الكلام، فطلبت منه الهدوء وإلا قد تقم الكبيرة بالهرب وإخفاء الأمير إلى الأبد، لو هيّ سمعت حديثهُما، وراحت تحدثه عن خطة كشف حقيقة هذه المجرمة بالجُرم المشهود، طلبت منه أن لايتناول طعام عشاء الليلة هو وبعض فرسانه الأقوياء الموثوقين، وبعد خروجها يخرج هو وأليفة والفرسان ورائها، لينقذوا الأمير.

أعجب الملك برجاحة عقلها ووافق على الخطة، وفعلاً حل المساء وقدمت الخادمة العشاء، تخلص الملك وخمساً من فرسانه وأليفة من طعامهم في القمامة، وغطوها ببعض الأوراق، حتى لايكشف أمرهُم، ومشت الخُطة بالتمام والكمال، ولاحقوا بالشريرة واعتقلوها بالجُرم المشهود وعاد الأمير إلى قصر أبيه، وسط الزغاريد والأغاني والزهور، وعم الفرح المملكة، وأعلن الأمير إمتنانه لأليفة وأعلن حُبهُ ورغبتهُ بالزواج منها.

وما أن تعافى من تدهور صحته حتى أقام الزفاف والأفراح، وأصبحت أليفة الملكة، وحملت بولي عهد صغير أنجبته بعد تسع شهور، ولأن الماضي مستحيل أن يترك الإنسان فقد لاحقها ماضيها يوماً.

في قمة سعادتها هي وزوجها وابنهما الجميل، مر بائعٌ متجول ينادي على بضائع متنوعة من بلاد الإنس، وسائر بلاد الجن، صاح له الأمير وطلب رؤية بضاعته، وكان منها سرير شديد الروعة مصنوع من الذهب وعاج الفيلة اشتراه لأبنه، ولكنه لم يعلم أن هلاك الطفل سيكون بهذا فالبائع لم يكُن إلا سيد العين، والسرير لم يكُن إلا سريراً مسحوراً مصنوعاً من الأفاعي والعقارب، وما إن يدخل إليه الطفل حتى تلدغهُ تلك الأفاعي وتقتله، دون أن يدرك أحد، بسبب التعويذة التي عليه.

وهذا ماحدث وضعت الأم المسكينة، طفلها في السرير، وخرجت لأمرٍ ما، تعالت صرخات الصغير، ولم يصل إليه أحد إلا وقد إنتهى أمره.

حزنت المملكة حُزناً شديداً، ولكن حمل أليفة الثاني هدئ من هذا الحُزن وإنجابها لصغيرة القمر أنساهُم همهُم، ولكن هيهات أن يتركها الندل تعيش بسلام، بعد أن أعياهُ بحثه عنها لسنوات ومعرفته عن طريق بعض المسافرين بأن الأمير تزوج بأنسية تُدعى أليفة بنت مصر.

أتى هذه المرة ومثل أول مرة عرض البضاعة فاختار الأب مشطاً جميلاً وردي اللون عطر الرائحة، لشعر طفلته الجميلة، وهنا لمحت أليفة وجه الرجُل وأثار شكوكها ولكنها قالت في نفسها، بعد كل هذه السنين مستحيل أن يكون هو.

وما إن مشطت شعر الطفلة حتى وقعت الصغيرة ودخلت في غيبوبة، فقد كان المشط مسموماً، وهنا صاحت الأم وبكت وقالت اقسم أنه هو ولا أحد غيرُه، وقصت قصتها من الألف إلى الياء، لزوجها الأمير.

فأمر بإحضار سيد العين، وحقق معه واعترف بكل شيء وأيقظ الصغيرة بترياق وأمر بسجنه إلى جانب الكبيرة.

أخبر الأمير أليفة بأنهم ممكلة الجن الأزرق وبأن السيد العين منفي من المملكة، لأنه ساحر شرير يخدم سحرة الإنس والشياطين الجان، وأن أباه لو علم بقصة أبيها سليم لأعدم سيد العين، ولم يسمح لأبيكِ بأخذ التفاحة منه.

أمر الأمير بعض الخدم بأخذ أليفة لزيارة أهلها، وقريتها في مصر، وأخبرها بضرورة عودتها بعد ثلاثة أيام.

وإلا لن تتمكن من العودة إليه، وهكذا عادت لأهلها لتخبرهم عن العجائب التي مرت بها، وانتصر الحق وزهق الباطل، وانصفت الدنيا إبنة مصر بعد أن أرتها العجب، وتوتة توتة خلصت الحدوتة.

أتمنى أن تتلقى إعجابكم وإلى اللقاء في قصة قادمة

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات