Sign in
Download Opera News App

 

 

الإمام الطيب في الحلقة 13.. الشريعة الإسلامية بقيت رغم الضربات ضدها بفضل ثنائية الثوابت والمتغيرات

للعام الخامس، يتمتع المسلمون وينتفعون في شهر رمضان المبارك ببرنامج "الإمام الطيب" الخاص بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين.

وهذا الموضوع يتناول حلقة الثالث عشر من رمضان ١٤٤٢ه‍‍ / ٢٠٢١ م.

تمهيد:

أوضح الإمام الطيب في بداية حلقة اليوم أنه قد تبين في الحلقة السابقة أن أحكام الشريعة الإسلامية منها ما هو ثابت دائم، ومنها ما هو متغير مرن، وأن النوع الأول كما يتصف بالثبات يتصف بالكثرة والتفصيل وصعوبة إدراك الأسباب والعلل في تشريعه، بخلاف النوع الثاني الذي يتصف بقابلية التحرك مع حركة الإنسان علي الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما يتسم بسهولة إدراك الغاية والمقصد من تشريعاته.

وأضاف الإمام الأكبر أنه وقبل الاسترسال في هذه الحلقة، فإنه يود التأكيد علي أنه حين يفرق بين الثوابت والمتغيرات ... بأن الثوابت كالعبادات مثلا تستعصي علي البحث العقلي، فإننا لا نقصد أبدا أنها تعارض أحكام العقل وتناقضه، وأن الإنسان حين يخاطب بها مخاطب بالإيمان بالمستحيلات، فهاهنا يجب التنبه إلي الفرق الدقيق بين التكليف "بأمور مستحيلة التعقل في ذواتها" وبين "أمور معقولة في أنفسها".

السمعيات ومعجزات الأنبياء:

فالأمور المستحيلة لا يقع التكليف بها بحال من الأحوال، بخلاف الأمور التي يدرك العقل أسبابها وأسرارها وآثارها .. وبناء علي هذا التوضيح نقول أن الإسلام والأديان بأسرها وهي تخاطب الإنسان علي أي مستوى من مستويات الخطاب، لا تطلب منه أبدا أن يؤمن بما يرفضه عقله أو أن يصدق بما يستحيل تصديقه، وإنما تخاطبه بالإيمان بأمور قد يستبعدها العقل بما تجري به العادة، ومن هذا القبيل مخاطبة الأديان للإنسان ومطالبته بالإيمان بالحياة بعد الموت، وبالحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وكل ما يتعلق بها، مما يسمي في علوم العقيدة بلـ "سمعيات" أو "الآخرويات".

ومن هذا القبيل أيضا الإيمان بمعجزات الأنبياء، فإنها ليست مستحيلة الحدوث، بدليل أن العقل يتصورها، ويتصور وقوعها، وإن كانت العادة التي بتجري عليها أمور الناس تستبعدها، فكلها من قبيل الحقائق التي تقع، وموقف العقل منها لا يتعدى موقف الحياد الذي تتساوي لديه احتمالات الوقوع واللا وقوع.

والحياد وإن كان يعجز عن إثبات شيء، فإنه يعجز وبالقدر نفسه عن نفي هذا الشيء وعدم التصديق به، وإذا فهمنا هذا الفرق الدقيق.. سهل علينا إدراك صعوبة "استعصاء الأحكام التعبدية" الصادرة من الجناب الأقدس علي مداركنا العقلية، لكن ذلك لا يعني مطلقا عدم معقولية هذه الأحكام في حد أنفسها وذواتها، وكل ما يعنيه أن هذه الأحكام هي من طور يقع وراء طور العقول، ومن مستوي ليس للعقول السليمة حياله من موقف إلا موقف التسليم المطلق.

بين الصلاة وعقد البيع:

الدكتور أحمد الطيب أتبع بأنه هكذا يمكن أن نفهم باستقراء آيات الأحكام في القرآن الكريم، أن القرآن يفصل الأحكام في القضايا الدائمة وفي الثوابت التي لا تتغير، مثل الإيمان والعبادات والأخلاق، بينما يجمل الأحكام في المجالات المتحولة، في صورة قواعد كلية، وأصول عامة ومقاصد عليا كما سبقت الإشارة علي ذلك. وكدليل علي هذا نجد أن الصلاة مثلا ذكرت في أكثر من سبعين موضعا في القرآن الكريم، في مقابل ما ورد فيه من تشريعات في عقد البيع مثلا، والذي هو من أكثر العقود أحكاما ومواد في القوانين المدنية، فعقد البيع هذا لم يرد بشأنه في القرآن الكريم إلا أربعة أحكام فقط.

الحكم الدال علي إباحته بقوله تعالى: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ)).

والحكم الذي يشترط التراضي في التجارة بين البائع والمشتري، بقوله تعالى:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ)).

وإشهار البيع أو الأشهاد عليه، بقوله تعالى: ((وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ)).

ثم النهي عن البيع والشراء بعد أذان صلاة الجمعة، بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)).

القوانين الحديثة:

شيخ الأزهر الشريف أوضح أنه وكذلك الأمر فيما يتعلق بالقانون الدستوري، حيث اقتصرت نصوص القرآن الكريم في هذا المجال علي التأكيد علي مبدأ "الشوري" ومبدأ "العدل" ومبدأ "المساواة" وأن أي نظام سياسي يقوم علي هذه المبادئ ويحققها بين الناس، فهو نظام يقبله الإسلام، أيا كان اسمه أو رسمه.

وكذلك قانون العقوبات والجنايات الذي اقتصر فيه القرآن الكريم علي ذكر العقوبات الخمس المعلومة وهي عقوبة "القتل، السرقة، الزنا، الافساد في الأرض بإرهاب أو ترويع أو اغتيال للآمنين أو تدمير للمرافق العامة بأي أسلوب قديم أو حديث في ارتكاب هذه الجرائم اللا أخلاقية واللا إنسانية".

وهكذا يمكن إيجاز القول بأن هذه الثنائية الواضحة بين مجال الثوابت، ومجال المتغيرات هي التي مكنت تشريعات القرآن من قدرتها علي مواكبة التطور كما مكنت شريعته من قيادة الإمة الإسلامية قرابة ثلاثة عشر قرنا من الزمان، قبل أن تخلي مكانها أو يخلي مكانها لقوانين الغرب، وأن مرونة هذه الشريعة هي التي حفظت حضارة الإسلام وأمدتها ولاتزال تمدها بأسباب المقاومة والصمود حتى يومنا هذا، وبسبب من إعجاز هذه الشريعة، لم تندثر حضارة المسلمين، وتصبح آثرا بعد عين، رغم الضربات الموجعة التي تسدد إليها علي مدى تاريخها الطويل من أبنائها ومن أعدائها علي السواء.

---مصادر:

*يوتيوب، القناة الرسمية للأزهر الشريف، برنامج الإمام الطيب، الحلقة الثالثة عشر:

https://www.youtube.com/watch?v=UHVB730OF38

 

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات