Sign in
Download Opera News App

 

 

الإمام الطيب في الحلقة الثامنة: الحلال يصير حراما إن ضر الآخرين.. وحرام رد ضرر الآخر عليك بضرر مثله

للعام الخامس، يتمتع المسلمون وينتفعون في شهر رمضان المبارك ببرنامج "الإمام الطيب" الخاص بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين.

وهذا الموضوع يتناول حلقة الثامن من رمضان ١٤٤٢ه‍‍ / ٢٠٢١ م.

وذكر:

بدأ فضيلة الإمام الأكبر حلقة اليوم بالتذكير بحديثه في الحلقة السابقة عن قاعدة من قواعد يسر الشريعة الإسلامية وهي القاعدة التي تقول إن ((المشقة تجلب التيسير))، وحديثه عن أهم مظاهرها وتطبيقاتها وتجلياتها التي رصدها العلماء والأئمة القدامي والمحدثون.

وأن فضيلته سيتحدث اليوم عن قاعدة أخرى من هذه القواعد والتي تشهد بسماحة شريعة الإسلام ويسرها ومرونتها، وهي قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".

لا ضرر:

ولفظ هذه القاعدة هو صحيح نبوي من صحاح الأحاديث، بمعني أن هذه العبارة قالها النبي صلى ﷲ عليه وسلم، ورسخها وجذرها كقاعدة تدور عليها معاملات الناس جميعا "لا ضرر ولا ضرار".

ومعني لا ضرر: أن يحرم إلحاق الضرر بالغير في نفسه أو في عرضه أو ماله، وذلك لما ينطوي عليه الضرر من الظلم المحرم في الإسلام تحريما قاطعا، حتى ولو جاء الضرر نتيجة فعل مباح قام به شخص آخر.

وأوضح رئيس مجلس حكماء المسلمين أن هناك بعض الأشخاص مثلا يقومون بأفعال داخل منازلهم، باعتبار أنه حر في منزله ويقول أن هذا حال.

ويضيف الشيخ: ((نعم هذا حلال، ولكن لو ترتب علي هذا الفعل الحلال في بيتك ضرر يلحق بالجار مثلا، فهذا ضرر ممنوع وحرام عليك أن تفعله)).

إذن، فلا ضرر، معناها ممنوع إلحاق الضرر بالغير، حتى ولو ترتب هذا الضرر علي فعل مباح في بيتك أو في ملكك، أو في فناء دارك، إلي آخره... وهذا هو المقصود بلا ضرر. سواء كان بقصد الضرر بالآخر، أو كان الضرر مترتبا علي فعل مباح ولا تقصده في بيتك فأيضا هذا الفعل يصير ضررا ويحرم عليك فعله.

ولا ضرار:

وتابع الإمام الأكبر شرحه لقول النبي صلى ﷲ عليه وسلم "لا ضرار".. بأن معناه عدم جواز رد الضرر بضرر مماثل.

فمثلا، لو أخذ إنسان مالا من شخص، وألحق به ضررا في ماله، فلا يجوز هنا لهذا الشخص أن يرد الضرر بمثله حينما تأتيه الفرصة، فيسطو علي مال من أخذ ماله أو يسرقه.

فمعني لا ضرار، أنه لا يجوز رد الضرر بضرر مماثل، وذلك لما يترتب علي هذا الأسلوب من نشوء فوضي عارمة في قضاء الحقوق واستيفائها، تهدم الاجتماع الإنساني.

فلو كل إنسان وقع عليه ضرر، يلحق بالآخر ضرر مماثل، فلن تستقيم الدنيا، ولن يستقر المجتمع، بل تنشأ فيه فوضي تأتي عليه من الجذور.

وبين شيخ الأزهر الشريف حكم الشريعة في هذا الموقف، أن من حصل له مثلا تلف في ماله من شخص ما، أنه لا يجوز له بحال أن يرد باتلاف مال هذا الشخص البادئ بالضرر، وإنما عليه اللجوء للقضاء لتعويضه عما لحقه من ضرر.

قواعد لاحقة:

الدكتور أحمد الطيب أوضح أنه تلحق بهذه القاعدة، قاعدة أخرى، تحرم إلحاق الضرر وتوجب إزالته مثل قاعدة "لا يزال الضرر بضرر مماثل"... ومثل قاعدة "يزال الضرر الأشد بالضرر الأصغر أو الأخف".

وأن لهذه القاعدة تطبيقات تفوق الحصر لا يتسع لها مقام الحلقة.

أهم المقاصد:

ويضيف إمام المسلمين أن مما يدهش له المتأمل وهو يتابع "تغلغل هذه القاعدة في نسيج التشريع الإسلامي" أنها لا تقتصر علي التكاليف الشرعية الفردية فحسب، بل تمتد لتشمل أهم مقاصد الشريعة في حياة الناس.. موضحا أنه يعني ((مقصد إستقرار المجتمع وحفظه من التعرض للهزات)). ويقوم ذلك بالتضحية ببعض التكاليف الشرعية من أجل الحفاظ علي الوحدة والنظام والتماسك الاجتماعي.

وأن ذلك يتضح في أصل من أخطر أصول الإسلام وهو "وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".. وهو كما علمنا في حلقة سابقة الأصل الذي تنبني عليه خيرية هذه الأمة، وعدالتها وشهادتها علي الأمم، وذلك في قوله تعالى:

((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ)).

فهذا الأصل يعفي منه المسلم، ويباح له أن يصمت عنه صمتا مطبقا، وذلك فيما لو ترتب علي تطبيقه منكر أكبر منه، أو ضرر أشد من ذلك الذي يترتب علي الصمت عن هذا المنكر.

استنباط:

وقد استنبط الفقهاء هذه الرخصة من تصرفات النبي صلى ﷲ عليه وسلم طوال سنين بعثته الشريفة، فقد عاش في مكة ثلاثة عشر عاما، عاني فيها هو وأصحابه ما لا يطاق ولا يحتمل من منكرات الوثنيين والمشركين، سواء في القول أو في العمل، ولما كانت مواجهة هذه المنكرات في العهد المكي، مما قد يؤدي إلي استئصال شأفة الدين، وتدميره من الأساس، يعد منكرا أشد وأعتى من منكرات الوثنيين، لما كان الأمر كذلك، صبر النبي صلى ﷲ عليه وسلم علي هذه المنكرات، وصبر علي قريش، ولم يحمل السلاح علي أهلها، ولم يواجههم بأي خطة من خطط الايذاء أو التضييق أو المناوشات الحربية.

وظل النبي صلى ﷲ عليه وسلم صابرا، بل مأمور بالصبر من ﷲ تعالى، حتى هاجر إلي المدينة المنورة واذن له في القتال، وتم أمره من ﷲ بحمل السلاح، بعد أن استفرغ كل طاقاته وطاقات أصحابه في الحوار بالحجة والبرهان والترغيب. عند ذلك واجه القوم "أي الكفار" وهو في قلة قليلة وهم في كثرة كاثرة، وقد نصره ﷲ عليهم نصرا مؤزرا.

ويضيف شيخ الأزهر الشريف أن الشيخ الفقيه ابن تيمية -رحمة ﷲ عليه- الفقيه الحنبلي الشهير، يروي عنه الفقهاء أنه مر يوما ومعه أصحابه علي قوم من الغزاة التتار المتغلبين آنذاك علي بغداد وأهلها فوجدهم سكاري من معاقرة الخمر، فأراد بعض أصحاب ابن تيمية أن ينهرهم وينكر عليهم، فنهاه الشيخ ومنعه من هذا الواجب الشرعي، وقال له: ((إنما حرم ﷲ الخمر لأنها تصد عن ذكر ﷲ وعن الصلاة، وهؤلاء السكاري تمنعهم الخمر عن قتل المسلمين، وسبي ذريتهم، ونسلب أموالهم فدعهم وما هم فيه)).

موضحا أن مقصد الشيخ ابن القيم الذي روي هذه القصة أن التتار قد اعتادوا علي ترويع المسلمين وقتلهم وسبي ذراريهم وسلب أموالهم وأن معاقرتهم الخمر رغم أنها حرام ومنكر منهي عنه نهيا قاطعا تشغلهم وتنهيهم عن ارتكاب جرائم القتل والنهب والسلب. لذلك افتاه الشيخ بسقوط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضحية به، لأن شرب الخمر ضرر أصغر في مقابل قتل المسلمين الذي هو ضرر أكبر وأشد.

إذن فهي موازنة، بين ضرر أصغر يتمثل في النهي عن المنكر، وضرر أكبر يلحق المسلمين، ولما كان الضرر الأكبر تجب ازالته شرعا بالضرر الأصغر، وجب ترك النهي عن هذا المنكر ووجب الصمت عنه تفاديا للضرر الأعظم وهو قتل الناس وسلب أموالهم.

توقف:

وقال شيخ الجامع الأزهر أنه يتوقف قليلا هنا ليبين أن هذا المبدأ يسبب "كوارث" في المجتمعات، بسبب الفهم الخاطئ لهذه النظرية، مثلا -والحديث هنا لشيخ الأزهر - أنا سألت أيام كنت في دار الافتاء -الشيخ الطيب كان مفتي الديار المصرية الأسبق-، عن طبيب كان يترك المريض في غرفة العمليات ثم يذهب ليدرك الصلاة جماعة ثم يعود للعملية الجراحية.

فكانت اجابته المعتمدة علي أن هذا المريض لو مات، فيجب علي الطبيب أن يدفع الدية، لأنه يعتبر قد قتل مريضه قتلا خطأ. وأن الذي يعلم من السادة الأطباء أنه لو ترك المريض فحدث له مضاعفات قد تصل إلي الموت، أو حتى مضاعفات العملية، فلو كان قدر الشك ولو ١٪ فإن هذا الطبيب آثم وحرام عليه.

---مصادر:

*يوتيوب، القناة الرسمية للأزهر الشريف، برنامج الإمام الطيب، الحلقة الثامنة:

https://youtu.be/GFrxyLQdrFQ 

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات