Sign in
Download Opera News App

 

 

"الحج".. من عمليات المخابرات والبحرية المصرية في أقصي جنوب غرب أفريقيا

في فترة حرب الاستنزاف، والتي لم تحصل حتى الآن علي ما تستحقه من مقالات ودراسات وكتب، باعتبارها الحرب التي فصلت بين هزيمة ١٩٦٧ ونصر أكتوبر ١٩٧٣، والتي اعادت مصر خلالها رسم قواعد اللعبة كلها من جديد، وفرضت علي إسرائيل الأمر الواقع في الكثير من جوانب الصراع، كوضع الجيش الإسرائيلي لأول مرة داخل خطوط دفاعية ثابتة بدلا من اعتماده علي الحرب الخاطفة المتحركة، وبنت حائط الصواريخ، وطعمت الجنود بالاشتباكات مع العدو بالنار والدم من أجل الحرب القادمة.

علي حافة القناة وقف عبد الناصر يستطلع المواقع الإسرائيلية علي الضفة الشرقية بلا خوف، ومن خلفه يمين الصورة الشهيد عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقتها، وخلف الرئيس مباشرة الفريق أول محمد فوزي وزير الدفاع.

خلال تلك المدة، نشط جهاز المخابرات العامة المصرية لتوفير كل المعلومات اللازمة للقوات المسلحة، وتوفير الأمن لوحداته ضد الجاسوسية، وبخلاف كل ذلك كان أمام رجال المخابرات العامة المصرية مهمة خطيرة أخرى.

خليج السويس:

بدأت القصة عندما وردت معلومات لجهاز المخابرات العامة المصرية تفيد بأن إسرائيل تجري مفاوضات للحصول علي حفار للتنقيب عن البترول تمهيدا لاستخراجه من خليج السويس.

كان تنفيذ إسرائيل لذلك معناه الذل، فهي لم تكتفي باحتلال الأرض، بل ستسرق ثرواتها أمام اعيننا، مما يعني أن المعركة حسمت وأن إسرائيل اصبح لها السيطرة والموارد معا، ولخطورة هذه المعلومات الشديدة تم عرضها فورا علي رئيس الجمهورية "جمال عبد الناصر".

بأي ثمن:

كانت أوامر الرئيس المصري واضحة "يجب تدمير الحفار، يجب تدميره قبل وصوله أصلا، هذه العملية واجبة التنفيذ بل واجبة النجاح مهما كانت التكاليف".

وبدأت العملية وانتشر رجال المخابرات المصرية يجمعون المعلومات وظهرت لهم أول مشكلة.

سرية مطلقة:

كان الإسرائيليين يحيطون الحفار بالسرية الشديدة، لا توجد معلومات عنه بالفعل، وتنطلق المخابرات العامة المصرية في رحلة البحث عن أبرة في كوم القش، وهي تتحسس خطواتها حتى لا تلتقطها أعين الموساد التي ترعي سرية الحفار.

البحث كان في المواني وشركات بناء السفن والقاطرات البحرية، شركات البترول، شركات الملاحة، فتشت مصر في كل شئ، وفي النهاية جاء طرف خيط.

من كندا:

من كندا وصلت رسالة من مندوب الجهاز هناك تفيد ما يلي:

((الحفار اسمه "كينتنج"، وقد عبر بالفعل بورت الفرية وسان سيمون وهي مناطق في شمال كندا، منطلقا للمحيط الأطلنطي في طريقه إلي أفريقيا)).

لكن طرف الخيط هذا وإن جذب بعض المعلومات، فإنها جاءت محملة بالمشاكل.

الأولي أن الإسرائيليين لم يشتروا الحفار بل كانوا من الذكاء أنهم استأجروه من شركة أمريكية، فتبقي ملكيتها له ويصبح أي عمل ضده هو عمل ضد شركة أمريكية، علاوة علي أن الشركة التي صنعته "إنجليزية"، أما القاطرة التي ستسحبه فهولندية.

كان ذلك التموضع الدولي يعني أن تدمير الحفار سيؤدي لتوتر العلاقات المصرية مع الدول الثلاثة، بخلاف طبعا رد الفعل الإسرائيلي، ولكن المخابرات المصرية قررت أن تواصل العملية دون ترك أي دليل يشير إلي أن مصر هي التي تسببت في إغراق الحفار.

أما المشكلة الثانية فكانت أن المحيط الأطلنطي هذا الذي كان يسميه العرب قديما ببحر الظلمات ليس بحيرة صغيرة بل هو ثاني أكبر مسطح مائي علي الكوكب، لقد دخله الحفار وهذا علمناه، لكن إلي أين؟... وهل بالفعل سيصل أفريقيا ام ان هذه المعلومة مضللة وسيتجه لغرب أوروبا.

المشكلة الثالثة، اذا ما نجحنا فعلا في رصد الحفار، فماذا سنفعل معه؟ وكيف سنغرقه، وطائراتنا لا يمكن استخدامها كي لا يكون معروفا من صاحب الضربة... كما أن مداها أصلا لا يسمح.

في رأس التين:

في مكتبه برأس التين التقي اللواء بحري محمود عبد الرحمن فهمي قائد البحرية المصرية الأسطوري الذي لم يهزم في أي معركة بحرية ضد الإسرائيليين، التقي بضباط جهاز المخابرات العامة المصرية الذين طلبوا منه وحوش الضفادع البشرية، وثقة في رجاله ونصر ﷲ لهم... واداء للواجب، اعطي عبد الرحمن فهمي رجاله لاداء المهمة، سيقومون هم بنسف الحفار.

الحج:

مما يتميز به جهاز المخابرات العامة أنه يستعين بالخبراء والمتخصصين كل في مجاله... لهذا السبب استعانوا بخبير بحري راجع الخرائط الملاحية للحفار من كندا حتى اختفي في الاطلنطي، واعطاه رجال المخابرات وجهته النهائية "خليج السويس".

وبخبرة ابن مصر في الملاحة البحرية، حدد ذلك الخبير الذي لم يكشف عن اسمه حتى اليوم ثلاثة موانئ فقط، لا يمكن للحفار أن يتجه إلي غيرهم، كانت الموانئ في أفريقيا وغرب أوروبا، وهناك توزع رجال المخابرات ليكونوا في شرف استقباله.

في تلك الأيام كان شهر ذو الحجة موعد فريضة الحج السنوي علي الابواب، وهو ما كان السر وراء تسمية العملية باسم "الحج".

داكار:

في ١٦ فبراير ١٩٧٠، برقية تصل إلي القاهرة من ميناء العاصمة السنغالية داكار.

وصل الحفار.

وفورا يطير رجال المخابرات المصرية بصحبة عناصر الضفادع البشرية علي مرحلتين، ويسبقهم قائد العملية من ضباط المخابرات في اليوم التالي مباشرة ١٧ فبراير.

هناك كان العمل طويلا وشاقا، ولابد أن يكون كله في سرية تامة، بداية من دراسة موقع رسو الحفار في الميناء، وكيف سيصل عناصر الضفادع البشرية إليه، وطبيعه المياه ودرجة شفافيتها، والحراسة في الميناء، والحراسة الإسرائيلية علي الحفار ذاته، والوقت اللازم لتنفيذ العملية، والانسحاب، واسترداد عناصر الضفادع.

وفي الساعات الأولى من التاسع عشر من فبراير ١٩٧٠ الذي وافق رابع أيام عيد الاضحى من ذلك العام، تجهز كل شيء، حتى وصلت الضفادع البشرية للرصيف استعدادا للغوص، في تلك اللحظات، تحرك الحفار مغادرا الميناء معلنا انه فلت من بين أيدينا.

بعثرة الأوراق:

كان ذلك الافلات يعني ضياع الحفار من جديد في عرض البحر، وهنا تدخل السيد "أمين هويدي" مدير المخابرات العامة المصرية شخصيا وأمر بعودة الجميع للقاهرة لترتيب الأوراق من جديد استعدادا للجولة الجديدة، الأخيرة، والحاسمة، والتي إن افلت فيها مجددا فربما لن يعيقه أي شيء آخر عن الوصول لخليج السويس.

السيد أمين هويدي

في كوبري القبة، اجتمعت لجنة من مختصين لمناقشة إلي أين ستكون وجهة الحفار المقبلة، وتم وضع ثمانية احتمالات كاملة توزعت بين كوناكري في غينيا، وفري تاون في سيراليون، ومنروفيا في ليبيريا، وأبيدجان في كوت ديفوار، وأكرا في غانا، وبورتو نوفو في توجو، ولاجوس في نيجيريا، وبوانت نوار في الكونغو برازافيل.

وكان الدرس المستفاد مما حدث في داكار أن لا ينتظر الرجال وصول الحفار ورصده ثم يتحركون إلي الميناء الذي سيصل إليه حتى لا يتكرر سيناريو فراره مجددا.

هنا:

"هنا في أبيدجان"...

هكذا حدد رجال المخابرات توقعهم، كانت مغامرة أن يضعوا كل استعداداتهم هناك لأن التوقع إن جاءا خاطئا فإنه لن يعني إلا الفشل، لكن المغامرة كانت محسوبة.

صورة من ميناء أبيدجان

فأبيدجان هي عاصمة كوت ديفوار التي كانت تربطها علاقات دافئة وقتها بتل أبيب، بل إن الإسرائيليين كانوا هناك بكثافة تلك الأيام مع قرب افتتاحهم لفندق سياحي فاخر وضخم هناك، وعناصر الموساد منتشرة، ولنضف فوق ذلك زيارة لرواد الفضاء الأمريكيين، ما يعني كذلك أن عناصر المخابرات المركزية الأمريكية سيكونوا حاضرين، وكلها عوامل أمان للحفار.

قبل رجال المخابرات التحدي، تحدي أنفسهم أولا بدقة توقعاتهم، وتحدي كل تلك العقبات إن صدق توقعهم، واستطاع الضابط الشهير "محمد نسيم" تهريب حقائب المتفجرات ومعدات الضفادع البشرية من داخل مطار أبيدجان نفسه.

محمد نسيم رجل المخابرات المصرية

اين هو:

الغريب أنه وبعد كل ذلك الجهد المبذول وسط جيش من عناصر الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية لم يصل الحفار للميناء... كانت تلك مصيبة حرفيا، لقد مرت المدة اللازمة لوصوله لابيدجان لكنه لم يأتي.

وكأن ﷲ عز وجل لم يرد أن يضيع أجر من أحسن عملا، اتت البشارة من عميل تركي يعمل لصالح المخابرات العامة المصرية بأن الحفار في عرض البحر أمام ابيدجان فعلا... وتم رصده وتأكيد المعلومة وانطلق الرجال كل لعمله.

وفي مساء ٧ مارس اصبح الحفار يري لمن يقترب من الميناء بعد أن ابحر مقتربا منه، ويبدو انه كان يدخل الميناء... وحينها كان قائد الضفادع البشرية مع محمد نسيم يتناقشان، وحينها أخبره قائد الضفادع البشرية انه لو نجح ورجاله في وضع شحنة ناسفة تحت البريمة، فإن هذا الحفار سيكون في خبر كان.

العملية:

وقبل الفجر كان رجال الضفادع البشرية من القوات البحرية المصرية أسفل الحفار يضعون أربع عبوات ناسفة تحته وليست واحدة، وينسحبون في هدوء دون أن يشعر بهم أحد، وبمجرد عودتهم قام رجال المخابرات بتهريبهم خارج أبيدجان فورا.

وفي تمام الثامنة وخمس دقائق من صباح ٨ مارس ١٩٧٠ افاقت ابيدجان علي صوت انفجارات مدوية تعلن أن الحفار قد أوصله المصريين إلي الجحيم، وأنه لن يصل إلي خليج السويس أبدا..

ومن منزله الآمن ارسل محمد نسيم برقية للقاهرة من كلمتين ((مبروك الحج)). وفي اليوم التالي طالع الناس صحيفة الأهرام المصرية تنشر الخبر وتقول أن هناك أنباء أن كوماندوز مصريين هم من نفذوا العملية.

---مصادر:

*الفيلم الوثائقي "كلمة وطن" من انتاج المخابرات العامة المصرية، من الدقيقة ١٣،٢٠ حتى ١٤،٢٥:

https://youtu.be/Z3tN_zsx1rw

*دكتور نبيل فاروق، عين الصقر، من سلسلة حرب الجواسيس، روايات مصرية للجيب، المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع بالقاهرة والاسكندرية، صفحات من ٢٣٥ : ٢٤٩.

*المصري اليوم:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/2067094

Content created and supplied by: محمدعلام14 (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات