Sign in
Download Opera News App

 

 

محمود جامع.. قريب السادات وصديق الشعراوي.. تاريخ استثنائي لعلاقة الطبيب بالشيخ وبالرئيس

بتعارف البشر، تقع الأحداث، تتطور، تكون واقعا، ثم تصبح تاريخا، ولكن التاريخ ليس مجرد قصص تروي، فهذا تسطيح شديد للتاريخ، يجعله بمقام القصص والروايات، بل إن فيه لعبر. تصلح للأشخاص علي الصعيد الفردي أحيانا، وفيه دروس مستفادة تصلح للأمم دوما، خصوصا حينما يروي التاريخ رجل مثل محمود جامع، الذي كانت صفاته كلقب عائلته "جامع"، فجمع علم الطب وحصل معرفة التاريخ بمعايشته، وكان أيضا صوفيا زاهدا.

الدكتور محمود جامع

اتنين منايفة:

من المنوفية كان جامع والسادات، فعائلة جامع تنتمي أصلا إلي "كفر السادات".. وهو كفر يبتعد عن ميت أبو الكوم مسقط رأس الرئيس السادات ب٣كم فقط.

والأكثر من ذلك أن العائلتين "جامع، السادات" أصلهما واحد وهي عائلة (الساداتي) كما تفصح السجلات الرسمية القديمة، ثم تفرعت العائلة كما حدث في كثير من أسرنا المصرية.

الرئيس السادات أول الواقفين يمينا، صورة في مرحلة بداية الشباب

أما جدة الرئيس السادات المباشرة لأبيه فكانت أيضا من عائلة جامع. وبجانب الصداقة كان والد السادات صديقا لوالد الدكتور محمود جامع وجده وأخواله.

التعارف:

نضع فوق ذلك الرباط العائلي، المقدس في الأرياف، وخصوصا في تلك الحقبة الزمنية، ما يمكن أن نسميه بالعامية المصرية "جميل" أسدته عائلة جامع لأنور السادات باختبائه عندهم وقت حادثة اغتيال "أمين عثمان" التي حوكم فيها قبل ثورة ١٩٥٢.

الرئيس السادات خلف القضبان متهما في قضية اغتيال أمين عثمان. يتحدث إلي القاضي وهو مرتديا لقميص أبيض وربطة عنق.

في تلك الفترة، عرف الفتي محمود جامع قريبه أنور السادات وشاهده وسمع عن وطنيته.. وكثيرا ما شاهده في دوار جده العمدة قبل وبعد حادثة الاغتيال.

لكن الارتباط الشخصي الحقيقي بين الدكتور محمود جامع والرئيس السادات بدأ بالتحاق الدكتور محمود بكلية طب القصر العيني، وهناك عرف الطريق لمنزل السادات وأصبح يمضي معه الساعات يستمع منه عن العمل الوطني وأسرار مشاركة السادات به.

عاد أنور السادات للجيش مجددا، وكان احد ضباط مجلس قيادة ثورة ١٩٥٢.

كان الدكتور جامع في تلك الفترة قد فقد والده الذي كان يعمل قاضيا، واصبح هو المسئول عن اشقائه، وحمل الأمانة كما ينبغي حتى تخرج منهم من هو استاذا في كلية الطب.

الشعراوي:

واذا ما كانت القرابة والصداقة العائلية هي مفتاح تعارف الدكتور محمود جامع بالسادات، فإن الوطنية وحدها كانت مفتاح تعارفه بالشيخ محمد متولي الشعراوي.

الشيخ الشعراوي في شبابه

ففي عقد الاربعينيات، ومظاهرات الطلبة ضد الاحتلال، كان جامع واحد من الحضور في مظاهرات طلاب مدرسة طنطا الثانوية، وهي المظاهرات التي كان يلهبها الشعراوي بخطبه الحماسية.

وفي احدي المظاهرات، قبض علي عدد من الطلاب كان من بينهم محمود جامع، فلم يتركهم الشعراوي، بل ذهب لحزب الوفد في القاهرة، وعاد ومعه الزعيم الوطني وسكرتير حزب الوفد "مكرم عبيد"، والذي كان محاميا شهيرا وخطيبا مفوها.. ورغم كون مكرم باشا مسيحي الديانة، فإنه كان يحفظ الكثير من القرآن الكريم ويستشهد به في مرافعاته أمام القضاء، ومنها تلك القضية الخاصة بالطلاب المحبوسين. وبالفعل تم الإفراج عن الطلاب الذين خرجوا حاملين مكرم عبيد علي الاعناق يهتفون "يحيا الشيخ مكرم".

مكرم باشا عبيد

ومن هنا توطدت العلاقة بين الدكتور محمود جامع وبين الشعراوي الذي كان سببا في إخراجه من الحبس.

في الحج:

ويحكي الدكتور جامع عن صديقه الشيخ الشعراوي الكثير ومنها عادته في الحج أن يوزع صررا من الدنانير علي الحجاج، امتثالا لقوله تعالى: «فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً» وقد يعطى الرجل الواحد عدة مرات، وفى مرة أعاد رجل الصرة قائلا: «أنا سفير ليبيا فى المملكة وأخذت الصرة بركة ولكنى لا أحتاج إليها».

الوفاء:

بعنوان عريض هو "الوفاء" يحدثنا الدكتور جامع عن وفاء السادات لأصوله حتى بعدما جلس علي كرسي حكم مصر.

ففي كتاب ميت أبو الكوم، تعلم السادات أول ما تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وظل يتردد بعد ذلك علي معلمه (عبد الحليم عيسي) كلما زار قريته يوده ويعطف عليه.

السادات مع شيخه

وفي مرض الشيخ الأخير، أدرك السادات بدنو أجله، فطلب من الدكتور محمود جامع وكان وقتها مديرا لمستشفي "المبرة" في طنطا، أن يخبره فورا إن فارق شيخه الحياة، وقال له: "لو حدث له شئ لابد أن تخبرني يا جامع، ولا تدفنه إلا بحضوري يا جامع".

ويضيف الدكتور جامع أنه ولما توفي الشيخ عبد الحليم، اتصل بالرئاسة واجابه سكرتير الرئيس (فوزي عبد الحافظ) ليبلغه أن الرئيس في اجتماع مع "جيسكار ديستان" الرئيس الفرنسي، فتركت له رسالة وفاة الشيخ.

الرئيس السادات مع الرئيس الفرنسي في شوارع القاهرة

فلما تم تبليغ السادات بالرسالة قطع الاجتماع مع رئيس واحدة من أهم خمس دول في العالم، واستقل الطائرة ليصل سريعا حيث حضر صلاة الجنازة والدفن وتكفل بكل النفقات.

الحرب:

رغم قرابة الدكتور محمود جامع وصداقته الشخصية للرئيس السادات ، فإن الإستراتيجي المحنك الذي قاد حرب مصر التحريرية في سيناء، لم يخبر قريبه إلا قبلها بأيام معدودات، وبأسلوب التلميح.

كما انه لم يكن الإبلاغ لأنه قريبه، بل لأن الدكتور جامع وقتها كان وكيل وزارة الصحة للتأمين الصحي.

ويستذكر الدكتور جامع في شهادته عن تلك الفترة أن السادات قال له أنني حاربت أمريكا وليس إسرائيل.

ويمضي بنا لفترة ما بعد الحرب، حيث كانت الأحوال الاقتصادية سيئة للغاية نتيجة حشد كل موارد الدولة للقتال منذ يونيو ١٩٦٧، وهذا كان سبب رئيسي أن السادات وقع معاهدة السلام مع إسرائيل، لقد اراد استرداد تراب بلاده.

وكان جامع يردد عن قريبه وصديقه الذي صار رئيسا أن «الدهاء والذكاء هما مفتاح شخصية السادات فقد كان يستطيع أن يصبر طويلا على فريسته حتى تسقط وحدها».

قصة النادي:

الدكتور جامع كان شاهدا كذلك علي موقف تسبب في سوء علاقة الشعراوي بالسيدة جيهان السادات حرم الرئيس.

الشيخ الشعراوي والرئيس السادات في المنتصف ثم محمد حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية

فلقد دعته لمحاضرة في نهار رمضان في أحد الاندية الشهيرة بالقاهرة، لكن الشيخ وجد الحضور، سيدات معظمهن يدخن أمامه ويرتدين ملابس لا تليق بجلال الشهر ولا المحاضرة الدينية.

كان المشهد مسببا لفوران دم الشيخ الذي غادر القاعة دون إلقاء المحاضرة، قائلا للسيدة جيهان السادات: «الاتفاق لم يكن هكذا» ويضيف الدكتور جامع أن هذا الموقف تسبب في قطيعة بين الشعراوي والسيدة جيهان.

التأمين الصحي:

ومما يحسب للدكتور محمود جامع، والذي ترك به بصمة في حاضر مصر حتى الآن أنه هو صاحب مشروع (التأمين الصحي) الذي شمل تحت غطاءه الفقراء والذين لا يستطيعون توفير نفقات العلاج أو العمليات الجراحية لأنفسهم أو لأوالدهم، وهو شئ يصب في ميزان حسناته دوما حتى بعد رحيله عن دنيانا عام ٢٠١٩.

في الدراما:

عندما عرض التليفزيون المصري مسلسله الشهير "إمام الدعاة" والذي حقق نجاحا رهيبا، تطرق الدكتور بهاء الدين إبراهيم مؤلف المسلسل للصداقة التي ربطت الدكتور جامع بالشيخ الشعراوي وأنه كان حلقة الوصل التي ربطت بينه وبين الرئيس السادات، وقام بدور الدكتور جامع في المسلسل الفنان "رضا الجمال".

وبالطبع دور الشيخ الشعراوي يعلم الجميع أن الفنان القدير حسن يوسف هو من أبدع في تجسيده. وقد أدي الفنان "مفيد عاشور" دور الرئيس الراحل انور السادات.

وكانت أبرز الحلقات التي عرضت العلاقة، هي الحلقة الثالثة والعشرين التي شهدت زيارة الدكتور جامع في مكتبه بوزارة الأوقاف حينما عين وزيرا لها، وتناولت حدثين حقيقيين هما جلوس الشيخ الشعراوي علي مكتب متواضع بجوار باب مكتبه، وبرر له الامر ضاحكا أنه يريد أن يكون بجوار الباب، فلما يغادر الوزارة يتركها سريعا.

الحدث الثاني هو سبب الزيارة نفسها، وهي رغبة الدكتور جامع في تحذير الشيخ الشعراوي من احد مسئولي وزارة الأوقاف الذي ضبطه الشيخ ببعض قضايا الفساد، ولكن الشيخ صمم علي المضي في معركته ضد هذا المسئول، والتي دارت في أروقة مجلس الأمة ثم داخل ساحات محاكم مجلس الدولة، وانتهت بانتصار الشيخ وطرد هذا المسئول من منصبه.

وكانت الحلقة السادسة عشر قد عرضت اللقاء الأول بين الشعراوي والسادات بوساطة من الدكتور محمود جامع، وكانت ابان تولي السادات منصب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

وهو اللقاء الذي شهد عرض الشيخ لوجهه نظر كانت تخالف بعض سياسات الثورة حينها، وشعور الدكتور جامع بالقلق، لكن الرئيس السادات طمأنه وقال أنه يريد سماعه، ومن هنا بدأت علاقة الرجلين وكان الدكتور محمود جامع كلمة السر وحلقة الوصل.

في فن الكتابة:

للدكتور جامع مؤلفان شهيران حملا نفس الاسم باختلاف واحد، فكتابيه يحملا اسم "عرفت السادات"، و "عرفت الشعراوي"، وحكي فيهما قصته مع الرجلين البارزين في تاريخ الامة المصرية.

---مصادر:

*صحيفة الأهرام المصرية، عدد الجمعة، ٢٨ أكتوبر ٢٠١١، ذكريات، حوار مع الدكتور محمود جامع، حاورته محررة الأهرام الأستاذة سامية أبو النصر.

*يوتيوب، ماسبيرو دراما، مسلسل إمام الدعاة، الحلقة ٢٣، من الدقيقة ٩،٠٤ : ١٢،٣٠.

https://youtu.be/CscpaJZqX5k

*الحلقة ١٦، من بداية الحلقة وحتى الدقيقة ١،٥٥:

https://youtu.be/0BGUp90bGV0

*الشروق نيوز، مقال للدكتور ناجح إبراهيم:

https://www.shorouknews.com/mobile/columns/view.aspx?cdate=18012019&id=a18f4aa1-bd41-4d00-84b3-036c7a6a56e7

*صحيفة حزب الوفد المصري:

https://m.alwafd.news/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D9%80%D8%A7%D8%AA/2190214-%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9-%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AA%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%89 

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات