Sign in
Download Opera News App

 

 

غزوة دومة الجندل.. غزوة سياسية أكثر من كونها غزوة عسكرية

المعارك الإسلامية مثلت على طول الزمان وعرضه نموذجا فريدا، إذ لم تر الدنيا في تاريخها معارك أشرف من معارك المسلمين ولا أسمى منها غاية، وفي بداية الحديث حول بحث عن المعارك الإسلامية لا بدَّ من القول بأنَّ المعارك الإسلامية لم تبدأ في تاريخ الإسلام إلا بعد الهجرة وتحديدًا في السنة الثانية من هجرة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة، وقد كانت في بداية الأمر دفاعًا عن النفس وردِّ الظلم والاضطهاد الذي لحق بالمسلمين، فقد كانوا مستضعفين في مكة المكرمة، وكان الله تعالى قد أمرهم بأن يدعوا الناس بالحسنى وأن لا يستخدموا القوة في ذلك، فلم تكُن شوكة المسلمين قد قويَت بعد ولم يكُن لهم كيانٌ يحميهم ويحفظُ لهم وجودهم، وهذا ما لم يتحقَّق إلا بعد أن تمكَّن المسلمون في المدينة المنورة وبدأت الدولة الإسلامية في ذلك الوقت بالنمو شيئًا فشيئًا.

ولم تلبث المعارك الإسلامية بعد ذلك إلا أن توالت بشكل عنيف، فقد كان أعداء الإسلام الذين يحيقونَ به من كل جانب كثُر، فكانت في البداية قريش ومن حالفها من أهل مكة يتربَّصون بالمسلمين، إضافةً إلى القبائل العربية المنتشرة في شبه الجزيرة العربية والتي شعرَت بتنامي الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب، كما كان هناك الدولة الرومانية والفارسية اللتان بدأتا تشعران بخطورة هذه القوة الناشئة والتي قد تشكِّلُ خطرًا على وجودهم فيما بعد، وكانت الدولة الإسلامية في مرحلة النشوء وبحاجة لنشر الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى جميع بقاع الأرض، وفي بحث عن المعارك الإسلامية يشار إلى أنَّ كل تلك الظروف سارعت في عجلة المعارك الإسلامية منذ الأيام الأولى التي أمر الله تعالى بها المسلمين بالقتال وتبليغ الرسالة وإلى آخر المعارك التي خاضها المسلمون.

وحديثنا اليوم عن عزوة دومة الجندل،فهيا بنا بقلوبنا وعقولنا الي ارض مدينة رسول الله-صلَّى الله عليه وسلم ، لنشاهد ونعاصر أحداث العزوة عن قرب .

في شهر ربيع الاول سنه ٥ هجرية. تحركت القوات الإسلامية بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

نحو قبيلة قضاعة التي كانت تنزل شمال قبائل أسد وغطفان، في حدود قبائل الغساسنة الموالين للدولة الرومية (بيزنطة)، والمشرفة على سوق (دُومة الجندل) الشهير.

تقع دُومة على بُعد 600 كيلو مترًا شمال المدينة النبوية. وذكر الحموي في معجم البلدان أنها سُميت بذلك نسبة إلى حصن بناه دوماء بن إسماعيل.

أما الجندل: فهي الحجارة، ومفرده: جندلة.

 وعلى هذا يكون معنى اسم المنطقة: "الحصن الذي بناه دوماء في منطقة مليئة بالحجارة". وكان يُضرب المثل بمناعة حصن دومة وشدته.

وصلت الأنباء إلى المدينة النبوية المشرَّفة بتجمع بعض قبائل المشركين عند دومة الجندل للإغارة على القوافل التي تمر بهم، والتعرض لمن في القافلة بالأذى والظلم، ثم الاعتداء على المدينة لاحقًا. ومن الملاحَظ أن دومة الجندل تعَدُّ بلادًا نائية بالنسبة للمدينة النبوية؛ لأنها تقع على الحدود بين الحجاز والشام، وفي منتصف الطريق بين البحر الأحمر والخليج العربي، وهي على مسيرة خمس عشرة ليلة من المدينة.

فحتى لو أن المسلمين أغفلوا أمرها وسكتوا على وجود هذا التجمع فيها، ما لامهم أحد ولا ضرهم هذا التجمع في شيء على المدى القريب، ولكن النظرة السياسية البعيدة والعقلية العسكرية الفذة أوجبت على المسلمين أن يتحركوا لفضِّ هذا التجمع فورًا لما يلي:

- السكوت على هذا التجمع وما شاكله يؤدي -بلا شك- إلى تطوره واستفحاله، ثم يؤدي بعد ذلك إلى إضعاف قوة المسلمين وإسقاط هيبتهم، وهو الأمر الذي يجاهدون من أجل استرداده.

- وجود مثل هذا التجمع في الطريق إلى الشام قد يؤثر على الوضع الاقتصادي للمسلمين، فلو أن المسلمين سكتوا على هذا التجمع لتعرضت قوافلهم أو قوافل القبائل التي تحتمي بهم للسلب والنهب؛ مما يضعف الاقتصاد، ويؤدي إلى حالة من التذمر والاضطراب.

- فرض نفوذ المسلمين على هذه المنطقة كلها، وإشعار سكانها بأنهم في حمايتهم وتحت مسئوليتهم؛ لذلك فهم يؤمِّنون لهم الطرق، ويحمون لهم تجارتهم، ويحاربون كل إرهاب من شأنه أن يزعجهم أو يعرضهم للخطر.

- حرمان قريش من أي حليف تجاري قد يمدها بما تحتاج من التجارة، وصرف أنظارهم عن هذه المنطقة التجارية المهمة؛ لأن ظهور الدولة الإسلامية بهذه القوة يؤثر على نفسية قريش العدو الأول للدولة الإسلامية، ويجعلها تخشى المسلمين على تجارتها.

- الحرص على إزالة الرهبة النفسية عند العرب الذين ما كانوا يحلمون بمواجهة الروم، والتأكيد عمليًّا للمسلمين بأن رسالتهم للعالم أجمع وليست مقصورة على العرب.

ندب رسول الله صل الله عليه وسلم المسلمين للخروج، وخرج في ألف من أصحابه، وكان يسير الليل، ويكمن النهار؛ حتى يخفي مسيره، ولا تشيع أخباره وتنقل أسراره، وتتعقبه عيون الأعداء.

وسار حتى دنا من القوم، عندئذ تفرقوا، ولم يلق رسول الله  منهم أحدًا، فقد ولَّوا مدبرين، وتركوا أنعامهم وماشيتهم غنيمة باردة المسلمين، وأسر المسلمون رجلاً منهم، وأحضروه إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- فسأله عنهم، فقال: «"هربوا لما سمعوا بأنك أخذت نعمهم"». فعرض عليه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- الإسلام ،فأسلم وأقام بساحتهم أيامًا، وبعث البعوث، وبث السرايا، وفرّق الجيوش، فلم يصب منهم أحدٌ، وعاد المسلمون إلى المدينة المنورة.

هي غزوة، وحرب استطلاعية تمسح الجزيرة العربية، وتتعرف على مراكز القوى فيها، وهي حرب إعلامية، وهي حرب عسكرية تريد أن تصد هجومًا محتملاً على المسلمين، حيث ضَوَى إليها قوم من العرب كثير يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي حرب سياسية تريد أن تجهض من تحركات القبائل المحتمل أن تتحرك بعد أنباء غزوة أحد لتقصد المدينة وتسبيحها.

كانت هذه الغزوة دورة تربوية رائعة وقاسية وشاملة يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين يديه ألف من أصحابه، فيتلقون فيها كل لحظة دروسًا في الطاعة والانضباط، ودروسًا في التدريب الجسمي والعسكري والتحمل لمشاق الحياة وصعوباتها، وأحكامًا وفقهًا في الحلال والحرام، وعمليات صهر وتذويب لقواعد الجيش الإسلامي في بوتقة واحدة خارج إطار العشيرة، وخارج كيان القبيلة؛ حيث أخذت تفد إلى المدينة عناصر كثيرة من أبناء القبائل المجاورة، والتخلي عن الأطر القبلية وعصاباتها للانصهار في بوتقة الأمة الواحدة التي تجعل الولاء لله ورسوله.

وفوق هذا كله تتيح الفرصة لجيل بدر الرائد أن يقوم بمهمة التربية للوافدين الجدد وتعليمهم وتثقيفهم، كما تتيح الفرصة لكشف ضعاف النفوس، ومن له صلة بمعسكر النفاق من خلال مراقبة تصرفاته وسلوكه.

إنها ليست ساعات محدودة أو أيامًا معدودة، بل هي دورة قرابة شهر، لا يمكن إلا أن تبرز فيها كل الطبائع وكل النوازع، فيتلقاها -عليه الصلاة والسلام- ليصوغها على ضوء الإسلام ويعلِّم الجيل الرائد فن القيادة وعظمة السياسة.

كانت معركة صامتة، وتربية هادئة، وكان الجيش مع قائده يقطع ما ينوف عن ألف ميل في هذه الصحراء، يتربى ويتثقف ويتدرب ويمتحن ويقوّم؛ ليكون هذا استعدادًا لمعارك قادمة.

عيَّنَ رسول صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل سباع بن عرفطة الغفاري -رضي الله عنه- واليًا على المدينة في تجربة جديدة، فهو ليس أوسيًّا ولا خزرجيًّا ولا قرشيًّا، بل من قبيلة غفار التي كانت تمارس قطع الطريق والسطو المسلح على القوافل التجارية، حتى إنها كانت تشتهر بـ(سُرَّاق الحجيج) عند العرب!!!

- عجبًا لمحمد صلى الله عليه وسلم كيف يثق بمَن كان حاله كذلك قبل بضع سنوات، يأمنه على عاصمة دولة الخلافة وبيت مال المسلمين ونسائهم وذراريهم؟!!

- عجبًا لهذا الدين العظيم الذي أعاد صياغة بني غفار ونقلهم من حال سرقة حتى الحجيج إلى حمل مفاتيح بيت مال الدولة الإسلامية وصيانتها، في زمن قياسي، ودون الحاجة إلى انتظار موت ذاك الجيل!

- عجبًا لأولئك الصحابة الذين لم يعترضوا على اختيار رجل من قبيلة غفار ليكون أمينًا على بيوتهم وعوراتهم!

ولا بُدَّ لهذا الجيل أن يتربى على الطاعة والانضباط للأمير أيًّا كان شأن هذا الأمير، وهذا يدل على عظمة المنهج النبوي في تربية الأمة والارتقاء بها، وعلى عظمة قيادة النبي صلى الله عليه وسلم وفراسته في أتباعه وثقته فيهم ومعرفته لمواهبهم، فهو صلى الله عليه وسلم على معرفة بكفاءة سباع بن عرفطة الغفاري وعبقريته وقدرته على الإدارة الحازمة، فكان صلى الله عليه وسلم يربِّي أصحابه وهو غائب عن المدينة؛ لكي يهيمن منهج رب العالمين على المسلمين، ويصنع منها أمة واحدة تسمع وتطيع لكتاب ربها وسنة نبيها.

إذ ما كان لقائد عسكري ذي أهداف دنيوية، أن يغامر تلك المغامرة بالابتعاد عن بلده مسافة بعيدة جدًّا، تاركًا مدينته وأهله ومُلكَه معرضين لاحتمالات الأذى ممَّن يترصدها من المنافقين والأعراب والمشركين واليهود.. وفي حراسة شخص ليس من زعماء المدينة، ولا من كبار المهاجرين!! فضلاً عن كونه من بني غفار.

وفي أثناء عودتهم وادعَ الرسولُ عيينةَ بن حصن الفزاري، واستأذن عيينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أن ترعى إبله وغنمه في أرض قريبة من المدينة ،على ستة وثلاثين ميلاً منها

المصادر

https://www.masrawy.com/islameyat/others-happen_today/details/2020/10/18/1895133/%D9%81%D9%8A-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%88%D9%82%D9%88%D8%B9%D9%87%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%AF%D9%84-%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85

Content created and supplied by: SalahHarby (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات