Sign in
Download Opera News App

 

 

من الموضة إلى الانتحار.. لماذا نقلد بعضنا البعض

في عام 1774، نشر يوهان جوته كتابًا بعنوان Die Leiden des jungen Werthers (آلام الشاب فيرتر). في الرواية، يطلق فيرتر (الشخصية الرئيسية) الرصاص على نفسه بعد أن رفضته المرأة التي يحبها. وبعد وقت قصير من نشر الكتاب، كانت هناك تقارير عن شباب يرتدون سراويل صفراء وسترات زرقاء (مثل فيرتر) ويطلقون النار على أنفسهم بعدما أصابهم اليأس، ما أدى إلى حظر الكتاب في عدة أماكن.

أصبحت ظاهرة الانتحار المقلد، التي تم التحقق منها عدة مرات من خلال الأبحاث التي أُجريت في العقود الأخيرة، والتي تعرف باسم "تأثير فيرتر". إنه شكل من أشكال العدوى الاجتماعية، ويُعتقد أنه يصبح مؤثرًا من خلال التعلم الاجتماعي، حيث يتعرف الشخص الضعيف على شخص افتراضي في وسائل الإعلام وقد يميل إلى محاكاة سلوكه الانتحاري. ويبدو أن التأثير يكون أكبر بين الشباب، وهي مجموعة شديدة التأثر بالتعلم الاجتماعي. ويبدو التأثير كبيرًا عندما يكون فعل "الانتحار" قد ارتكبه أحد المشاهير بشكل خاص، أو عندما يكون هذا الشخص رومانسيًا أو ملهمًا. ونتيجة لذلك، طبقت العديد من الدول في السنوات الأخيرة إرشادات إعلامية بشأن الإبلاغ عن حالات الانتحار.

ما هي العدوى الاجتماعية؟

تعد العدوى الاجتماعية ظاهرة عامة تمتد إلى ما هو أبعد من الانتحار. إنه انتشار الأفكار أو المواقف أو أنماط سلوكية في مجموعة من خلال المحاكاة والامتثال (من بين عوامل أخرى)، كما أنها ظاهرة معقدة وغير مفهومة بشكل كامل، ويسهم فيها عمليات واعية (إرادية) وغير واعية (لا إرادية). وتُعرف الجمعية الأمريكية لعلم النفس للعدوى الاجتماعية من خلال عدد قليل من تلك العمليات:

  • المحاكاة - نسخ سلوك شخص أو مجموعة، عن قصد أو عن غير قصد. وفي بعض المواقف يمكن أن يكون هناك أيضًا عنصر تقليد، حيث يقوم الناس، بدون وعي أو نية واعية، بنسخ حركات الآخرين الجسدية تلقائيًا.
  • المطابقة والضغط من أجل التوافق - التوافق هو تعديل آراء الفرد أو أحكامه أو أفعاله بحيث تصبح أكثر اتساقًا مع المجموعة.
  •  العمومية - والتي تشير إلى الميل إلى افتراض أن مواقف الفرد أو سلوكياته مشتركة بين كل فرد في المجموعة ومسموح بها "لأن الجميع يفعل ذلك".


وهناك بعض العوامل الأخرى التي تؤثر على العدوى الاجتماعية:

  • الحاجة للتقبل والشعور بالانتماء.
  • مشاركة أهداف الآخرين، أو استنتاج/فهم نواياهم ودوافعهم.
  •  أن تكون "مُلهَمهًا" ومُعجبًا بشخص ما، وفي بعض الحالات تحاول الحصول على التقبل أو الشهرة من خلال محاولة التفوق على "إنجاز" هذا الشخص، كما في حالة الأفعال المعادية للمجتمع/السيكوباتية مثل إطلاق النار الجماعي.
  • العدوى العاطفية - الانتشار السريع للعاطفة من فرد أو بضعة أفراد إلى آخرين، كما هو الحال في تجمع سياسي أو ملعب رياضي مليء بالمشجعين، أو حتى غرفة مليئة بالأصدقاء.
  • التفكير الجماعي - كما قد يحدث، على سبيل المثال، في المنظمات السياسية، أو في الشركات - حيث ينتج عن التماسك أو الرغبة في التماسك داخل المجموعة ميلًا بين أعضائها للاتفاق بأي ثمن، مما يؤدي بالمجموعة إلى تقليل الصراع والوصول إلى قرار إجماعي بدون تقييم نقدي. وغالبًا ما يشعر أعضاء المجموعة بضغط الأقران "للتوافق مع الحشد".
  • وجود قدوة مؤثرة/ مستبدة/ موثوقة للغاية.
  •  التسهيل الاجتماعي (تسهيل المجتمع المحيط لظاهرة التقليد).
  • قابلية التأثر بالإيحاء - العدوى الاجتماعية تتسارع بدرجة عالية إذا اقترنت بالإيحاء. قوة التأثر بالإيحاء شديدة الفاعلية ولا تحظى بالتقدير، كما أنها تمتد إلى ما هو أبعد من العدوى الاجتماعية.

ما هي قابلية التأثر بالإيحاء؟

 قابلية التأثر بالإيحاء هي صفة الميل لقبول اقتراحات الآخرين والتصرف بناءً عليها، أو التأثر بسهولة بآراء الآخرين. كما تشير عادةً إلى حالة من الامتثال غير النقدي. وهناك عامل مهم آخر يلعب دورًا في قابلية التأثر بالإيحاء، وهو التنبؤ؛ حيث إن للتنبؤات تأثير قوي على كيفية إدراكنا للأشياء وتجربتها. ويمكن لتجارب الآخرين أيضًا أن تشكل تنبؤاتنا - إلى جانب تجاربنا. وقد تتأثر بالإيحاء بوعي وبغير وعي.

التأثير بالإيحاء والتنبؤ شيئان أساسيان في فعالية تأثيرات بلاسيبو ( تأثيرات العلاج الوهمية)؛ حيث يُعزى جزء كبير من تأثير مضادات الاكتئاب إلى تأثير بلاسيبو.

العدوى الاجتماعية وقابلية التأثر بالإيحاء في الاضطرابات العقلية

مظاهر العدوى الاجتماعية وقابلية التأثر بالإيحاء واسعة النطاق. فيما يلي بعض الأمثلة في مجال الصحة العقلية:

  • الانتحار. 
  • إيذاء النفس غير الانتحاري وخاصة جرح النفس، والذي زاد انتشاره بشكل كبير في العقدين الماضيين، خاصة بين المراهقين. 
  • عمليات إطلاق النار الجماعية.
  • وباء القلق الواضح، وهو أزمة الصحة النفسية لدى الشباب اليوم.
  • الأعراض النفسية الجسدية.
  • المرض النفسي الجماعي (ما كان يُطلق عليه اسم الهستيريا الجماعية).
  • فقدان الشهية العصبي؛ حيث تستمر حالات فقدان الشهية في الارتفاع بسبب العدوى الاجتماعية، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي التي تعزز المنافسة في فقدان الوزن بين الفتيات المراهقات، في سباق نحو القاع.

 تلعب تأثيرات العدوى الاجتماعية دورًا بعيدًا عن الصحة العقلية، في أمثلة مثل السلوكيات المتباينة للغاية التي مارستها بعض المجتمعات أثناء الجائحة (على سبيل المثال، ارتداء الأقنعة الواسع النطاق مقابل الاستهزاء الواسع النطاق بإجراءات الصحة العامة)، وانتشار مجموعات المؤامرة السياسية، والذعر الأخلاقي، مطاردة الساحرات، الهوس الديني والطائفي، و - بالطبع- ظاهرة الموضة (ناهيك عن التسويق، الذي يستغل آثار العدوى الاجتماعية وإمكانية التأثر بالإيحاء عمدًا).

 وتعد العدوى الاجتماعية من نواح كثيرة أحد الآثار الجانبية للمكانة المركزية للتعلم الاجتماعي في التنمية البشرية وتماسك المجموعة والثقافة. وتعتبر مراقبة وتقليد الآخرين من أهم الطرق التي نتعلم بها ونقوم بهذا منذ الصغ؛ حيث تعتبر عملية اكتساب اللغة لدى الأطفال هي مثال آخر على النمو المبكر.

في الواقع، تُنقل الثقافة نفسها من خلال عمليات "تقليد". وغالبًا ما يكون الميل إلى التوافق مع من حولنا وتبني سلوكياتهم، بوعي أو بغير وعي، أمرًا لا يقاوم - مثل الطريقة التي يتعلم بها الأطفال المهاجرون عادةً اللهجة أو اللغة الجديدة في وطنهم الجديد.

نعمة وليست نقمة

هناك حاجة إلى مزيد من البحث حول هذه الظاهرة التي لا تزال غير مفهومة بشكل كامل. ومن الأفضل أن نزيد من وعينا بتأثيرها العميق والبعيد على سلوكنا وصحتنا الشخصية وعملنا المجتمعي.


هذه المقالة مترجمة ومقتبسة من: https://www.psychologytoday.com/intl/blog/finding-purpose/202103/fashion-suicide-why-we-imitate-each-other

Content created and supplied by: Rofaidahazem (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات