Sign in
Download Opera News App

 

 

قصة عجيبة من التراث.. الإسكافي الأحدب وكنز "شاهنشاه"

 

تدور أحداث هذه القصة العجيبة في زمن الدولة الفاطمية، قد ذكرها عبد الأعلى القيرواني في كتابه النادر "حل الرموز في علم الكنوز" وتحكي القصة أنه كان بمدينة الفسطاط أحدب يعمل إسكافيّ، وكان هذا الإسكافي الأحدب يحلم بحلم واحد فقط؛ هو أن يكون له بغلا أو حمارا يركبه إذا فرع من شغله وقرر العودة إلي بيته، ولكي يحقق هذا الحلم كان يجمع الدرهم فوق الدرهم؛ حتي ما إذا اجتمع معه ثمانون درهما قرر أن يذهب إلي سوق الدواب ليشتري الحمار الذي طالما حلم به.

 

ولكن الإسكافي صُدم عندما وجد أن أرخص حمارا أو بغلا في السوق لا يقل ثمنه عن مائة درهما أو يزيد. فامتلأ قلبه حزنا وقرر العودة إلي متجره تعلو وجهه الكآبة والحزن. وما أن استدار ليعود حتي ناداه أعرابي من بعيد وأشار إليه بالحضور عنده. فذهب إلي الأحدب. فقال له الأعرابي بوجهه البشوش: قد رأيتك تسأل عن أسعار الحمير؛ لعلك تريد أن تشتري أحدها؟ فهز رأسه موافقا؛ فتابع الأعرابي: ولكنك هممت بالانصراف دون أن تُحقق بغيتك؛ فما السبب يا تُري؟ فقال له: كلهم أجمعوا أن ثمن أقل حمار هو مائة درهم وليس معي سوي ثمانون درهما؛ لذا فأنا عائد إلي بيتي علي قدميّ.

فسأله الرجل: وكم معك يا عبد الله؟ فقال له وقد مدّ يده أمامه بدراهمه المعدودات: ثمانون درهما لا أملك من متاع الدنيا غيرها. فتبسم الأعرابي في وجهه؛ وتنحي جانبا؛ وقد أشار إلي أتان (أنثي الحمار) سوداء اللون ناعمة الوبر بجواره تلتقط ما علي الأرض من عشب؛ وقال: ما رأيك بها؟ فأقبل الأحدب علي الأتان يمسح علي رقبتها وظهرها؛ ويقول في سعادة: يا لها من أتان رائعة الجمال؛ كم كنت أتمني أن أملك ثمنها. فقال له الرجل في هدوء: أنت بالفعل تمتلك ثمنها؛ ولن أطلب منك أكثر مما معك؛ إلا ان لدي شرط واحد؛ هو أن ترعي تلك الأتان فإنها كانت من قبلك لرجل صالح يخاف الله؛ قد توفي منذ أيام وهذه آخر ما تبقي من تركته.

 

كاد الإسكافي الأحدب أن يطير فرحا بما سمع؛ وبلهفة دفع ما معه من دراهم إلي الأعرابي؛ وبينما كان يفك عقال الأتان؛ أخذ يحلف للرجل بالله وبكتابه أنه سوف يرعي الآتان وسيحافظ عليها كابنته من صلبه. ولكنه عندما التفت للرجل لم يجده، أخذ يدور بعينيه في كل أرجاء السوق يبحث عنه فلم يجده. ولكن لما يهتم بهذا وبين يديه كل ما حلم به يوما؟! ركب الأحدب أتانه وخرج بها من السوق يتبختر كأنه الإسكندر ذو القرنين علي فرسه الأشهب.

وبينما كان يمر الإسكافي بالقرافة أسفل جبل المقطم بجوار بساتين الوزير الأفضل بن شاهنشاه؛ انحرفت الأتان إلي ناحية الجبل وأسرعت الخطي تصعد الجبل، حاول الإسكافي أن يكبح جماحها أو يتحكم بها فلم يستطيع؛ فأيقن أنها تسير في طريق قد اعتادت أن تسير فيه من قبل مع مالكها الأوّل فأطلق لها العنان لتذهب إلي حيث تريد.

 

ظلت الأتان تسير وتسير في جبل المقطم حتي توقفت في معلف للدواب به أثر تبن وشعير، وجرّة ماء وحبل طويل مربوط إلي بقايا جذع قديم. تعجب الأحدب أشد العجب؛ فهذا مكان مقطوع لا إنس فيه ولا جان. نزل من فوق أتانِه؛ وربطها في الحبل المشدود إلي الجذع القديم؛ وأخذ ينظر حوله؛ وهو يقول للأتان: إذا كان صاحبك يأتي بك إلي هذا المكان. ولكن ماذا كان يفعل في تلك البقعة التي لا شئ فيها؟! فجأة تحركت الأتان إلي الأمام؛ فسحبت الجذع؛ فتحرك المعلف عن مكانه في حركة دائرية. ارتد الإسكافيّ إلي الخلف خائفا فزعا عندما انكشف من تحت المعلف منحدرا له درجات إلي أسفل.

بخطوات حذرة نزّل الإسكافيّ ذلك الدرج؛ فوصل إلي قاعة إيوان واسع به أربع غرف بلا أبواب؛ وسقط فمه في بلاهة؛ وكادت عيناه أن تسقطا من محجريهما عجبا؛ عندما شاهد أكواما وأكواما من الجواهر والذهب والأواني التي لا وصف لها ولا مثيل. فأخذ الأحدب يقفز عاليا كالأطفال ويرقص ويصفق ويصيح في سعادة حتي كاد أن يجن. وبالقرب منه بصر قُفَّةُ كبيرة معلقِة؛ فأمسكها ونظر ما بها فوجد فيها مأكولا مشويا وخبزا وحلوي طازجة. فازداد عجبا وحيرة؛ ولكنه أكل حتي شبع. وفي وسط تلك القاعة كانت هناك بركة ماء؛ فشرب منها فوجدها كأحلى وأعذب ما يكون؛ وسقي منها أتانه؛ ثم أخذ من هذه الكنوز ما تطيق بهيمته علي حمله، وعاد تحت جناح الظلام إلي بيته.

 

وببعض ما معه من ذهب اشتري الإسكافي الأحدب دارا كبيرة كالقصر؛ ولكن اختارها في قرية بعيدة عن قريته حيث لا يعرفه أحد، وفرش الدار بأفخر الأثاث؛ حتي صارت كدار الأعيان والأمراء، ثم اشتري كل ما تشتهيه نفسه من طعام وثياب ودواب. ومع ذلك كان الأحدب في الصباح يرتدي ملابسه القديمة؛ ويركب علي حِمارته التي كان يعاملها معاملة خاصة؛ ويدللها كل دلال؛ فيذهب إلي دكانه القديم؛ ليُصلح المداسات كما كان يفعل؛ وفي الليل يعود إلي داره الجديدة ليعيش كالملك.

كان متجر الإسكافي يقع علي الشارع المؤدي لقصر الوزير "الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي"؛ فإذا أردن جواري الأفضل أن يذهبن إلي الحمام مررن به، وكان من ضمن تلك الجواري جارية تعبث دائما بالأحدب كلما مرت به فتسخر منه وتلاعبه وتضحكُ عليه. فيقول لها الأحدب يُغريها: لو زرتيني في بيتي لوجدتى عندي ما لن تجديه عند الوزير الأفضل. فتضحك وتسخر منه ثم تنصرف. كلما مرت عليه الجارية قال لها هذا الكلام حتي شعرت أنه جاد؛ فقالت له: يا أحدب؛ الكلام الذي تقوله هذا أهزل هو أم جد؟ فأقسم لها أن كلامه جد الجد. فواعدته موعدا في المساء وذهبت إليه متنكرة، فأخذها وذهب بها إلي داره الكبير. فلم تصدق الجارية ما تراه عيناها من الغني والثراء والفخامة، ثم قدّم لها الطعام والشراب في آنية عجيبة لم تراها في قصر سيدها الأفضل. فأقامت عنده إلي آخر النهار وعندما همت بالخروج في المساء أعطاها كيسا فيه ألف دينار.

ملكت الجارية قلب الأحدب؛ وقد حاولت كثيرا أن تعرف مصدر ثراءه المفاجئ ولكنه أبدا ما أخبرها، فلم تزل به حتي أخبرها بحقيقة الأمر. فطلبت منه أن يحملها إلي مكان الكنز فاستجاب لها. وتحت أستار الليل أردفها الأحدب خلفه علي أتانه وذهب بها إلي مكان الكنز؛ كادت الجارية أن تفقد عقلها لهول ما رأت من عظيم الكنوز، وبدون شعور منها؛ مدت يدها إلي قلادة من لآلئ كبيرة ومرصعة بالياقوت والزمرد. وطلبت منه أن تأخذ تلك القلادة فهز رأسه موافقا.

 

بعد أيام قليلة كان الوزير الأفضل قد أعد وليمة عظيمة من أجل مولود له جديد، وفي هذه الوليمة حضرت سائر نساء أعيان وأمراء الدولة؛ فارتدت الجارية فستانا قرمزيا وزيّنت رقبتها بالقلادة التي أخذتها من الكنز، فكانت رائعة الجمال تسلب الأنظار والعقول. وأخذ كل النسوة يتساءلن من أين لمثل هذه الجارية الوضيعة بتلك القلادة نادرة الوجود؟! وظل الكلام يتردد بين جنبات القصر حتي وصل إلي أذنين الوزير الأفضل شاهنشاه.

 

كان الوزير الأفضل إذا غضب من أحد؛ كان يستل خنجره ويقطع عضوا من أعضاء من يغضبه؛ أنفا أو أذنا أو إصبعا؛ فإذا فعل هدأت ثورته وذهب غضبه. وعندما وصل إليه الكلام عن قلادة الجارية طلبها وسألها من أين أتت بها؟ فلم تستطيع أن تكذب عليه لهيبته وشدته؛ وأخبرته بكل ما كان من أمر الأحدب الإسكافي. فطلب الوزير من عساكره أن يُحضروا الأحدب فأحضروه واعترف من رعبه للأفضل بكل خبره ولم يخفي عنه شيئا. فتوجه الأفضل مع رجاله بصحبه الإسكافي الذي دله علي مكان الكنز؛ فاستولي الأفضل شاهنشاه علي الكنز كله لنفسه. قالوا لقد ظل ينقل الكنز من مكانه علي ظهر ألف بعير في مدة ثلاثة أشهر متتابعة. ومنذ هذا اليوم لم يري أحد الأحدب ولا أتانه السوداء.

 

وفي يوم كان الأفضل يزور الملك "الآمر بأحكام الله" الفاطمي؛ وكان يدخل عليه وقتما شاء دون استئذان ولا طلب. فوجد بين يديه رجلا يحكي للآمر عن كنز الأحدب الذي استولي عليه. ولم ينتبه الرجل لوجود الأفضل حتي صار الأفضل يقف بجواره يتطلع إليه في غضب. فلما انتبه الرجل الواشي للأفضل كاد أن يسقط ميتا من الرعب؛ وهو يفكر في العضو الذي سينتزعه الأفضل الآن من جسده. والملك ينظر إليه ينتظر أن يتابع خبر الكنز. فقال الرجل بصوت عالِ: هذا يا مولاي وبينما كنت أسير بين الكنز؛ خرجت إليّ حية عظيمة فوقفت علي ذنبها؛ وكشفت عن أنيابها؛ وضربت بلسانها المشقوق الهواء؛ تحدق في وجهي.

وفجأة هجمت عليّ فصرخت وصرخت؛ فسمعت صوت زوجتي بجواري تهدأ من روعي وتخبرني أني قد رأيت كابوسا مزعجا. فغضب الملك وقام فصفع الرجل علي وجهه وصاح فيه: كل هذا تحكي لي عن منام أيها الأحمق؛ انصرف وإلا قطعت رأسك الغبي انصرف. فانصرف الرجل وهو لا يكاد أن يصدق أنه قد فرّ من هذا الموقف الفظيع؛ وهو يتمتم في خفوت: الصفع خير من القطع. الصفع خير من القطع.

 

بقلم: إسماعيل مرسي

Content created and supplied by: ismael_moursy (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات