Sign in
Download Opera News App

 

 

مات فيها ثلث أهل مصر وأكل الناس بعضهم بعدما أكلوا الكلاب والقطط "الشدة المستنصرية".. أصعب سنوات مصر

حينما يستوعب تاريخك سبعة آلاف عام، فإنه يجب أن يكون سائرا وفقا لسنة الله في الكون، به أيام فرح وأيام حزن، أوقات نصر ولحظات انكسار، بل إننا نقرأ أنه في عصر واحد قد يجتمع هذا وذاك .. وسورة يوسف من القرآن الكريم تخبرنا مثالا لذلك، فسبع سنين من الزراعة والحصاد الوفير، ثم سبع سنين يابسات ... يعيش فيهم الناس علي ما خزنوه في السبع السمان.

وعلي طول تاريخ مصر لم تعرف البلد للشدة المستنصرية مثيلا.. فما الذي حدث طوال سبع عجاف عاشتها القاهرة في عصر خامس الخلفاء الفاطميين في مصر "المستنصر بالله" والذي سميت الشدة علي اسمه لحدوثه في عهده، فصارت "الشدة المستنصرية"... فصار حكم المستنصر الذي دام علي مصر ستين عاما ينسي منه كل شيء وأنه بدأ برخاء وازدهار اقتصادي واتساع رقعة حكمه من العراق شرقا حتى المحيط الأطلسي غربا، ولا يذكر منه إلا شدته.

كل السوء:

كانت الشدة المستنصرية متفردة أنها لم تأتي بفاجعة واحدة علي رأس المصريين، بل جمعت لهم من الفواجع مجموعة وضربتهم بها في وقت واحد، فشهدت فيها مصر الطاعون وجفاف النيل والفقر المدقع، فقر طال حتى الخليفة ذاته الذي أكل من طعام الصدقات وأصبح مدينا بحياته لأبنة أحد الفقهاء التي كانت ترسل له رغيفين يوميا كصدقة، بعدما باع كل ممتلكاته ولم يبقي له إلا خادم واحد يخدمه وبغلة يركبها .. وقيل أن الخليفة قد باع ليأكل ويشرب ثمانون ألف ثوب، وعشرون ألف درع، وعشرون ألف سيف محلي، حتى الجواهر المرصعة بالأحجار الكريمة بيعت بثمن بخس.

ويرجح المؤرخين أن ثلث سكان مصر وقتها قد ماتوا خلالها. وأكل الناس من الجوع الكلاب والقطط وحتى جثث الموتى... وفي سنة من السنوات السبع مرت مصر بعشرة أشهر متتالية كان يموت فيها كل يوم ألف نفس.

سوء التدبير:

بدأت الشدة تحديدا عام 1065 للميلاد، عندما ارتخت شخصية الخليفة وضعف وزراءه ومن حوله من مستشاريه، وبدأ يغيرهم المستنصر كل شهر، وأحيانا كل يوم... وبدأ منسوب النيل في الانخفاض كذلك، بعدما كان المستنصر ووزيره "الناصر لدين الله محمد الحسين اليازوري" قد تفتق ذهنيهما إلي تخلي الدولة الفاطمية عن تخزين الغلال والقمح لأنها سلعة رخيصة، ولزيادة موارد الدولة فليخزنوا سلع أغلي لا تفسد بمرور الوقت، ففرغت مخازن مصر من القمح والدقيق وحل محلها الصابون والخشب والحديد والرصاص، فلما قل منسوب النيل وجدوا نتاج ما صنعوه أن مخزون مصر من الغلال صفرا كبيرا، وأن ما خزنوه مما لا يأكله البشر.

ومما زاد الطين بلة أن الجنود "الأتراك" الذين كان الفاطميين قد أتوا بهم بدلا من جنود قبيلة تهامة جنودهم الأوفياء السابقين .. لم يدعوا الأمر مجرد كارثة اقتصادية بل عاثوا في الأرض بالفساد والنهب والسلب، فضاع الأمن بعدما ضاع الشبع.

ووصل الأمر إلي أن العربات الخشبية التي كانت تجرها الخيول والحمير تحمل في طريقها كل يوم مئات الجثث في مجاعة اعتبرها البعض هي الأكثر سوء منذ عهد سيدنا يوسف عليه السلام وحتى يومنا هذا. وتروي بعض المصادر التاريخية أن الأحباش كانوا يتصيدون النساء في الشوارع لخطفهن وقتلهن ثم أكل لحومهن.

ومما يقص في الشدة المستنصرية أنه قد بيعت بيوت حارة كاملة من حواري القاهرة، وكان ثمن المنزل رغيف خبز !!!.

شهادات:

أفضل شهادة عن الشدة المستنصرية بلا شك هي شهادة المقريزي وهو قاضي وعالم ومؤرخ عاصر تلك الحقبة وكتب عنها في عدد من مؤلفاته .. ومما ورد عن المقريزي في وصفه للشدة المستنصرية ان بعض الفاسدين من الناس صنعوا كلاليب وخطاطيف ... وكانوا يقفون فوق أسطح المنازل ينتظرون مرور أحد المارة، ثم يرمون بالخطاف ويجذبونه إلي السطح حيث يقتل ويطبخون لحمه ويأكلونه.

أما ابن الأثير فقد ذكر حكاية كلما سمعتها –رغم تكرار سماعي وقراءتي لها منذ سنوات اثارت في نفسي الحزن الشديد لما يصل فيها من كمد الأم-، إذ قامت سيدة مصرية في أحد الأيام وباعت جواهرها التي كانت تساوي ألف دينار بثلاث مائة دينار، فاشترت به شوالا من القمح لكي تطعم به ابنها، فلما انتبه الناس لها، نهبوه منها فلم يبقي لها منه إلا ما يخبز رغيفا واحدا، فوقفت علي مكان مرتفع وهي تصيح: ((أيها الناس، فلتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار، فادعوا معي لمولاي المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقومت عليَّ هذه القرصة بألف دينار!!)).

بدر الجمالي:

وهنا يجب أن يعرف المصريين هذا الاسم جيدا "بدر الجمالي" فهو السبب الذي هيأه لهم الله عز وجل لينقذهم من هذا البلاء المقيم في أرضهم لسنوات سبع، وكان بدر الجمالي والي الخليفة علي عكا .. بعث له الخليفة طالبا أن يتدخل وينقذ الأمر.

وجاء الجمالي ومعه ما يستطيع من مؤن وأدوية ... والأهم من هذا وذاك دخل بشخصية قوية، ضبطت الأمن وأبعد الأتراك عنه بعد أن غلبهم بجنده الذين جاءوا معه من الشام، ووزع حصص الغذاء علي الناس بالعدل، وجاء النيل مجددا حاملا معه الحياة والرخاء لأهل مصر الذين مات من كل ثلاثة منهم واحد. وقام الجمالي بتشجيع الناس علي الزراعة فأسقط عنهم كل الديون وأصلح لهم الترع والجسور.

ترك الجمالي أثرا له في القاهرة لا يزال باقيا إلي يومنا هذا وهو جامع الجيوشي في المقطم

ويقول الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه الماتع "ماهية الحروب الصليبية" أن مصر تلقت تعويضا عما فقدته من بشر في صورة موجات من الهجرة إليها بعدما استقرت الأمور فيها وأصبحت آمنة في ظل حكم الأيوبيين والمماليك، فجاءها الناس من الشام والعراق هربا من الحملات الصليبية والغزو الذي شنه التتار، كما أن هجوم الكاثوليك علي مسلمي الأندلس دفع بالكثيرين منهم إلي مصر، فعوضوا النقص الفادح في أعداد سكان مصر نتيجة المجاعة الكبرى.

---المصادر:

*دكتور قاسم عبده قاسم، ماهيه الحروب الصليبية، عالم المعرفة، من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت، مايو 1990، صفحتين 169 : 170:

https://b.top4top.io/p_1941o7kmw0.jpg

https://c.top4top.io/p_1941ru0t91.jpg

*المصري اليوم:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/517096

*البوابة نيوز:

https://www.albawabhnews.com/4021275

*الوطن نيوز ،، مقال للدكتور محمود خليل:

https://www.elwatannews.com/news/details/523074

*صحيفة الخليج الإماراتية:

https://www.alkhaleej.ae/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D8%B3%D8%A8%D8%B9-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%A1

*أخبار اليوم:

https://m.akhbarelyom.com/news/newdetails/3065877/1/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%B5%D8%A9--%D9%85%D8%AC%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9--%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%AF%D9%81%D8%B9%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%A3%D9%83%D9%84%D9%88%D9%86-%D9%84%D8%AD%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1

*البوابة الإلكترونية لمحافظة القاهرة:

https://www.cairo.gov.eg/ar/pages/VarArticle.aspx?ArtID=882

*الشروق نيوز:

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=15022021&id=23abd17e-bc11-4d91-a7e5-11a3380b7cd1

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات