Sign in
Download Opera News App

 

 

متي يعاقب الطبيب الذي يعالجك بسبب خطأه.. وهل كل خطأ طبي يلزم معاقبة من تسبب فيه..

الطب، تلك المهنة السامية، التي ينظر لأصحابها في كل زمان ومكان بعين الاحترام والتقدير والتبجيل، ويرتفع شأن الطبيب البارع في مهنته إلي قمم لا يصل إليها غيره.

ولكن، وكما يوجد هذا الجانب العذب الحلو، فعلي الضفة الأخرى من النهر، يوجد جانب مؤلم، قوامه الفشل ونتيجته تدهور الحالة الصحية للمريض، مرورا بالتسبب في إصابته بمرض أو عاهة مستديمة، أو حتى وفاة المريض.

ولكن الطبيب سبب كما لا يخفي علي أحد، فالشفاء دوما بيد الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، لكن القانون الجنائي مد بصره في تلك القضية، فوجدها تستحق تدخله، وأوضح حالات لا يجوز مؤاخذة الطبيب عليه، وحالات أوجب فيها العقوبة.. فكيف التفرقة بين هذه وتلك؟.

الشروط:

في الطب، يتاح للطبيب ما لا يتاح لغيره، فله أن يعطيك الدواء وهو مركب كيماوي في الأصل، بل إنه يتاح له ايلامك بل وجرحك في سبيل الشفاء، وهي حالة لا تتوفر لغيره، فلا يجوز لأي شخص غير الطبيب أن يمسك بمشرط ويمزق جلدك وأنسجتك.

ولخطورة ذلك الحق، وضع القانون شروط لإعطاءه للطبيب وهي :

مقر نقابة الأطباء المصرية، أو كما تعرف "دار الحكمة".

١-وجود ترخيص بمزاولة مهنة الطب، وهو أمر يستدعي بالضرورة أن يكون الشخص دارسا للطب متخرجا من جامعة، وقيد نفسه في نقابة الأطباء، ومع ذلك يمكن اللجوء لبعض الأطباء الأجانب المرخص لهم في دولهم، وهذا كثيرا ما نراه.

٢-رضاء المريض بالعلاج اما صراحة أو ضمنا، فأنت عندما تذهب لعيادة طبيب أو لمستشفي، فأنت تعرب بغير قول أنك ترضي بالعلاج، ومن صور ذلك أيضا ما قد يكون قد تعرض له الكثير منا من كتابة اقرارات قبل العمليات الجراحية بقبولها... وفي حالة فقدان المريض للوعي أو عدم قدرته علي ابداء رضاءه، يكفي أن يصدر الرضا ممن له سلطة قانونية علي المريض أو حتى أحد أقاربه.

ومع هذا يجوز للطبيب دون رضا هؤلاء أن يقدم علي علاج المريض الذي لا يقدر علي اعطاء رضاءه، اذا ما كان هناك خطر يهدد حياته، كمن وصل المستشفي مصابا بحادثة او مطعونا بسكين أو مصابا بطلق ناري أو أي حالة يرجح فيها هلاكه إن لم يتلقي علاجا.

٣-مراعاة أصول مهنة الطب، وعدم ارتكاب أخطاء عمدية أو غير عمدية، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فالطبيب يحاسب علي خطأه وإن لم يتعمده اذا كان خطأه قد نتج عن أنه لم يتبع ولم يراعي أصول مهنته.

مخالفات:

هذه الشروط انبني عليها نتائج مهمة للغاية، فإذا قام شخص غير مرخص له بمهنة الطب، ولو كان طالبا بكلية الطب لا يزال أو حتى صيدلي بجرحك أو اعطاك حقنة، فهنا في القانون يسأل هذا الشخص عن جريمة مزاولة مهنة الطب بدون ترخيص، وكذلك عن جريمة "جرح عمد".

ويفهم من هذا أيضا أنه ولو لم يترتب جرح علي هذه الممارسة، فإن فاعلها سيعاقب علي مزاولة المهنة بدون ترخيص.

وحكمة المشرع من وراء تلك الشروط وعقاب من يخالفها، هو الحرص علي صحة المواطن، وعدم تعريضه للمغامرين. وقد وضعها في نصوص قانونية متعددة منها (المادة ١٠ من القانون ٤١٥ لسنة ١٩٥٤ بوجوب القيد في جدول نقابة الأطباء)، (المادة ١٥ من القانون ٤٨ لسنة ١٩٥٤ بوجوب قيد من تتولي التوليد في جدول القابلات)، (المادة ١٠ من القانون ٥٣٧ لسنة ١٩٥٤ بعقاب من يزاول طب الأسنان دون ترخيص، وعقاب الطبيب البشري الذي يزاول طب الأسنان)، (المادة ١ من القانون رقم ٤١٥ لسنة ١٩٥٤).

الرضا لا يؤثر دوما:

من المهم كذلك في هذا المقام، الاشارة إلي أنه ولو وجد رضا من الشخص أن يمارس شخص آخر غير مرخص له علي جسده بعض أمور مهنة الطب، فإن هذا لا ينفي وقوع الجريمة ،وبالتالي تبقي العقوبة قائمة.

نقرأ ذلك مثلا في حكم محكمة النقض المصرية في ١٣ ديسمبر سنة ١٩٦٠ بادانة صيدلي أعطي حقنة لشخص برضاه، وجاء فيه:

((إنه لا يبرر فعلته كون الكثير من الصيادلة يقومون بإعطاء الحقن أو اعتادوا علي ذلك، فليس في مخالفة الصيادلة للقانون وعدم وقوعهم تحت طائلته ما يسوغ للمتهم أن يرتكب هذه المخالفة)).

وإن كان الأستاذ الدكتور رمسيس بهنام وهو أحد أعلام القانون الجنائي في مصر واستاذه بجامعة الإسكندرية العريقة في القرن العشرين، وأستاذ كذلك بجامعة روما الايطالية، يري أن هذا الموقف من محكمة النقض محل نظر.

إذ يقول أن قيام الصيادلة بإعطاء حقن للناس وهم لهم دراية بهذه العملية، أمر أصبح كالعرف بين الناس، حقق لهم مصلحة أعلى من مصلحة اعتبار مزاولة العمل الطبي بدون ترخيص جريمة، لأن عملية الحقن بسيطة لا تستدعي قيام طبيب بها، ما لم تكن حقن وريدية أو تستدعي احتياطات خاصة.

ويمضي الدكتور رمسيس في رأيه قائلا أن العرف يعطل النص المجرم للفعل في ظروف خاصة، إذ انه من المتعب للناس أن يلتزموا حرفيا بأنهم كلما احتاجوا لحقنة ذهبوا إلي طبيب.

تعدي الاختصاص:

من المهم كذلك، تبيان أن الطب قد توسع وتشعب، وأصبح تخصصات، كل تخصص فيه بحر من العلوم، يشتغل المتخصص فيها حياته كلها، ولا يستطيع الالمام به كلها، وخصوصا مع التطورات الطبية المتلاحقة.

فاذا ما تعدي طبيب اختصاصه وأدي هذا التعدي لحدوث مشكلة، فإنه سيعاقب لا محالة، ونجد ذلك مثلا في حكم محكمة النقض المصرية كذلك في ٨ يناير ١٩٦٨، مج س ١٩، عدد ١، صفحة ٢١.

يرجع هذا الحكم لواقعة قام فيها طبيب غير متخصص بطب النساء باجهاض سيدة في شهرها الخامس دون أن يشير عليها بدخول المستشفي، واستخدم في العملية آلة قضت علي الجنين الذي كان لا يزال حيا، وأخرج جسده دون رأسه التي تركها في رحم السيدة، ومزق رحم السيدة فتوفيت متأثرة بالنزيف والصدمة العصبية الراجعين لتمزق الرحم وللتسمم من الجنين الذي تعفنت رأسه برحمها.

استثناءات:

تقوم الجريمة ولو كان من فعل الجرح طبيب، ولو كان الجرح برضا من وقع عليه في حالة ما اذا لم يكن هناك علة تستدعي القيام بالجرح.

وقد يسأل سائل هل هناك حالات يسمح فيها شخص لطبيب بجرحه دون مرض أو علة؟.

فنجيب هنا بوجود هذه الحالات، بل وتعددها، ومنها علي سبيل المثال، قتل الطبيب لمريضه بطلبه بسبب شعوره بآلام لا تطاق واستحالة علاجه منها، وقد تناول هذه الحالة مسلسل مصري شهير للفنان يحيي الفخراني حمل اسم "أوبرا عايدة"... او حالة تسهيل التهرب من الخدمة العسكرية باحداث عاهة في جسد الشاب، أو جرح أحد الاشخاص ليحصل علي مبلغ تأمين.



وفي النهاية، فإذا اخفق العلاج في الشفاء مع توافر كل الشروط القانونية والطبية وصدر من طبيب برضاء المريض والتزم الطبيب بأصول مهنة الطب، فهنا لو فشل العلاج فلا يرجع السبب علي الطبيب ولا تجوز محاسبته، لأن الطب وسيلة وليس غاية، فهي مهنة بذل مجهود وعلم وليس تحقيق نتيجة.

---مصادر:

**دكتور رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، منشأة المعارف بالإسكندرية، طبعة ثالثة منقحة، ١٩٩٧، صفحة ٣٤٥ : ٣٥٥:

-https://j.top4top.io/p_1933lejt20.jpg

-https://k.top4top.io/p_19338u9691.jpg

-https://l.top4top.io/p_1933j6vp72.jpg

-https://a.top4top.io/p_1933x9qzb3.jpg

-https://c.top4top.io/p_1933rsao74.jpg

-https://d.top4top.io/p_1933mpl2g5.jpg

-https://e.top4top.io/p_19333kscw6.jpg

-https://f.top4top.io/p_1933bbguf7.jpg

-https://g.top4top.io/p_19333iiby8.jpg

-https://h.top4top.io/p_1933j3ec79.jpg

Content created and supplied by: eg.studio.opera.com (via Opera News )

تعليقات

قم بتنزيل التطبيق لقراءة المزيد من التعليقات